صديق الحسيني القنوجي البخاري
358
فتح البيان في مقاصد القرآن
المعنى أن أولئك الذين آتاهم اللّه الكتاب هم الذين خسروا أنفسهم بسبب ما وقعوا فيه من البعد عن الحق وعدم العمل بالمعرفة التي ثبتت لهم . ومعنى هذا الخسران كما قاله جمهور المفسرين أن اللّه جعل لكل إنسان منزلا في الجنة ومنزلا في النار ، فإذا كان يوم القيامة جعل اللّه للمؤمنين منازل أهل النار في الجنة ولأهل النار منازل أهل الجنة في النار ، ذكره الكرخي فَهُمْ بعنادهم وتمردهم لا يُؤْمِنُونَ بما جاء به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . قال البيضاوي : الفاء للدلالة على أن عدم إيمانهم مسبب عن خسرانهم فإن إبطال العقل باتباع الحواس والوهم والانهماك في التقليد وإغفال النظر أدى بهم إلى الإصرار على الكفر والامتناع عن الإيمان . وَمَنْ أي لا أحد أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى أي اختلق فجمع بين أمرين لا يجتمعان عند عاقل افتراؤه على اللّه بما هو باطل غير ثابت وتكذيبه ما هو ثابت بالحجة ، هذا ما جرى عليه الكشاف وغيره من جمعه بين الأمرين ، أو لأن المعنى لا أحد أظلم ممن ذهب إلى أحد الأمرين فكيف بمن جمع بينهما . عَلَى اللَّهِ كَذِباً فزعم أن له شريكا من خلقه وإلها يعبدونه كما قال المشركون من عباد الأصنام أو قال إن في التوراة أو الإنجيل ما لم يكن فيهما كما قالت اليهود إن عزيرا ابن اللّه ، وقالت النصارى إن له صاحبة وولدا . أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ التي لزمه الإيمان بها من المعجزة الواضحة البينة ، قال عكرمة : قال النضر بن عبد الدار : إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى ، فأنزل اللّه هذه الآية إِنَّهُ الضمير للشأن لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ القائلون على اللّه الكذب والمفترون عليه الباطل . وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً منصوب بفعل مضمر بعده أي ويوم نحشرهم كان كيت وكيت وحذف ليكون أبلغ في التخويف أو التقدير إنه لا يفلح الظالمون اليوم في الدنيا ويوم نحشرهم ، قاله محمد بن جرير وقيل التقدير انظر كيف كذبوا وفيه بعد ، وقيل اتقوا يوم نحشرهم ، والأول أولى والضمير يعود على المفترين بالكذب ، وقيل على الناس كلهم فيندرج هؤلاء فيهم والتوبيخ مختص بهم وقيل يعود على المشركين وأصنامهم . ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الاستفهام للتقريع والتوبيخ بالمشركين ، وأضاف الشركاء إليهم لأنها لم تكن شركاء للّه في الحقيقة بل لما سموها شركاء أضيفت إليهم وهي ما كانوا يعبدونه من دون اللّه أو مع اللّه الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أي تزعمونها شركاء ، ووجه التوبيخ إن معبوداتهم غابت عنهم في تلك الحال أو كانت حاضرة ، ولكن لا ينتفعون بها بوجه من الوجوه فكان وجودها كعدمها .