صديق الحسيني القنوجي البخاري

359

فتح البيان في مقاصد القرآن

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 23 إلى 25 ] ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ( 23 ) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 24 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 25 ) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ أي معذرتهم قاله ابن عباس : أي التي يتوهمون أن يتخلصوا بها أو حجتهم والفتنة التجربة من فتنت الذهب إذا خلصته ، قال الزجاج : فيه معنى لطيف وذلك أن الرجل يفتتن بمحبوب ثم تصيبه فيه محنة فيتبرأ منه فيقال لم تكن فتنة إلا بذلك المحبوب ، فكذلك الكفار فتنوا بمحبة الأصنام ثم لما رأوا العذاب تبرؤوا منها ، وقيل المراد بالفتنة هنا جوابهم وسماه فتنة لأنه لم يكن جوابهم إلا الجحود والتبري فكان هذا الجواب فتنة لكونه كذبا . إِلَّا أَنْ قالُوا يعني المنافقين والمشركين قالوا : وهم في النار هلم فلنكذب فلعله أن ينفعنا والاستثناء مفرغ وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ قال القاضي : يكذبون ويحلفون عليه مع علمهم بأنه لا ينفع من فرط الحيرة والدهشة ، قال الزجاج : تأويل هذه الآية أن اللّه عز وجل أخبر بقصص المشركين وافتتانهم ، ثم أخبر أن فتنتهم لم تكن حين رأوا الحقائق إلا أن انتفوا من الشرك ، ونظير هذا في اللغة أن ترى إنسانا يحب غاويا فإذا وقع في هلكه تبرأ منه فتقول ما كانت محبتك إياه إلا أن تبرأت منه انتهى . فالمراد بالفتنة على هذا كفرهم أي لم تكن عاقبة كفرهم الذي افتخروا به وقاتلوا عليه إلا ما وقع منهم من الجحود والحلف على نفيه بقولهم واللّه الخ . انْظُرْ يا محمد بعين البصيرة والتأمل إلى حال هؤلاء المشركين كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ بإنكار ما وقع منهم في الدنيا من الشرك واعتذارهم بالباطل ، وفي البيضاوي وحمله على كذبهم في الدنيا تعسف يخل بالنظم وَضَلَّ عَنْهُمْ أي زال وذهب وتلاشى وبطل ما كانُوا يَفْتَرُونَ أي ما يظنونه من أن الشركاء يقربونهم إلى اللّه ، هذا على أن ما مصدرية وهو قول ابن عطية : أي ضل عنهم افتراؤهم ، وقيل هي موصولة عبارة عن الآلهة أي فارقهم ما كانوا يعبدون من دون اللّه فلم يغن عنهم شيئا . وهذا تعجيب لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم من حالهم المختلفة ، ودعواهم المتناقضة ، وقيل لا يجوز أن يقع منهم كذب في الآخرة لأنها دار لا يجري فيها غير الصدق ، فالمعنى نفي شركهم عند أنفسهم وفي اعتقادهم . ويؤيد هذا قوله تعالى : وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً [ النساء : 42 ] . وَمِنْهُمْ مَنْ هذا كلام مبتدأ لبيان ما كان يصنعه بعض المشركين في الدنيا ،