صديق الحسيني القنوجي البخاري
353
فتح البيان في مقاصد القرآن
قيل معنى الجملة القسم ، وعلى هذا فقوله لَيَجْمَعَنَّكُمْ جوابه لما تضمنه معنى القسم وقال الزجاج : إنها بدل من الرحمة لأنه فسره بأنه أمهلكم وأمد لكم في العمر والرزق مع كفركم ، فهو تفسير للرحمة وقد ذكره الفراء أيضا ورده ابن عطية وقال : هو جواب قسم محذوف أي واللّه ليجمعنكم . وقيل المعنى ليجمعنكم في القبور مبعوثين أو محشورين وقيل اللام بمعنى أن أي أن يجمعكم كما في قوله تعالى : لَيَسْجُنُنَّهُ [ يوسف : 35 ] أي أن يسجنوه وقيل زائدة وقيل : إن جملة ليجمعنكم مسوقة للترهيب بعد الترغيب وللوعيد بعد الوعد ، أي إن أمهلكم برحمته فهو مجازيكم يجمعكم ثم يعاقب من يستحق عقوبته من العصاة . إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إلى بمعنى ( في ) المعنى في قبوركم إلى اليوم الذي أنكرتموه وهو يوم القيامة لا رَيْبَ فِيهِ أي لا شك في اليوم أو في الجمع . الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ أي ليجمعن المشركين الذين غبنوا أنفسهم باتخاذهم الأصنام فعرضوا أنفسهم لسخط اللّه وأليم عقابه فكانوا كمن خسر شيئا ، وأصل الخسار الغبن يقال خسر الرجل إذا غبن في بيعه فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ لما سبق عليهم القضاء بالخسران فهو الذي حملهم على الامتناع من الإيمان بحيث لا سبيل لهم إليه أصلا . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 13 إلى 16 ] وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 13 ) قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 14 ) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 15 ) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ( 16 ) وَلَهُ أي للّه ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ خص الساكن بالذكر لأن ما يتصف بالسكون أكثر مما يتصف بالحركة ، وقيل المعنى ما سكن فيهما أو تحرك فاكتفى بأحد الضدين عن الآخر ، وهذا من جملة الاحتجاج على الكفرة قال السدي : ما سكن أي استقر وثبت ، ولم يذكر الزمخشري غيره وقال تعديته بفي كما في قوله وسكنتم في مساكن الذين ظلموا ورجح هذا التفسير ابن عطية . وقال ابن جرير : كل ما طلعت عليه الشمس وغربت فهو من ساكن الليل والنهار ، فيكون المراد منه جميع ما حصل في الأرض من الدواب والحيوانات والطير وغير ذلك مما في البر والبحر ، وهذا يفيد الحصر والمعنى أن جميع الموجودات ملك للّه تعالى لا لغيره وَهُوَ السَّمِيعُ لأقوالهم وأصواتهم الْعَلِيمُ بسرائرهم وأحوالهم .
--> - حديث 14 - 16 ، وابن ماجة في الزهد باب 35 ، وأحمد في المسند 2 / 242 ، 258 ، 260 ، 313 ، 358 ، 381 ، 397 ، 433 ، 466