صديق الحسيني القنوجي البخاري

344

فتح البيان في مقاصد القرآن

وأما الحمد الاصطلاحي فهو فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعما ، قال الكرخي ، وقد تقدم من سورة الفاتحة ما يغني عن الإعادة له هنا . وقال أهل المعاني لفظه خبر ومعناه الأمر أي احمدوا اللّه ، وإنما جاء بهذا النمط لأنه أبلغ في البيان من حيث إنه جمع الأمرين . ثم وصف نفسه بأنه هو الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ إخبارا عن قدرته الكاملة الموجبة لاستحقاقه لجميع المحامد ، فإن من اخترع ذلك وأوجده هو الحقيق بإفراده بالثناء وتخصيصه بالحمد ، والخلق يكون بمعنى الاختراع وبمعنى التقدير ، وقد تقدم تحقيق ذلك ، وجمع السماوات لتعدد طباقها وإن بعضها فوق بعض ، وقدمها على الأرض لشرفها لأنها متعبد الملائكة ولم يقع فيها معصية ، ولتقدمها في الوجود ، قاله القاضي لقوله تعالى : وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها [ النازعات : 30 ] فإنه صريح في أن بسط الأرض مؤخر عن تسوية السماء . والأرض وإن كانت سبعة عند الجمهور فليس بعضها فوق بعض بل بعضها موال لبعض وإنما خصهما بالذكر لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد ، فالسماء بغير عمد يرونها وفيه العبر والمنافع ، والأرض مسكن الخلق وفيها أيضا ذلك . وعن كعب الأحبار هذه الآية أول آية في التوراة وآخر آية فيها قوله : وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً [ الإسراء : 111 ] وفي لفظ هو آخر سورة هود ، وقال ابن عباس : افتتح اللّه الخلق بالحمد وختمه به فقال وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد للّه رب العالمين . وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ذكر سبحانه خلق الجواهر بقوله خلق السماوات والأرض ثم ذكر الأعراض بقوله هذا لأن الجواهر لا تستغني عن الأعراض ، واختلف أهل العلم في المعنى المراد بالظلمات والنور فقال جمهور المفسرين : المراد بالظلمات سواد الليل ، وبالنور ضوء النهار وبه قال السدي ، وقال الحسن : الكفر والإيمان ، قال ابن عطية : وهذا خروج عن الظاهر انتهى . وقيل المراد بهما الجهل والعلم ، وقيل الجنة والنار والأولى أن يقال إن الظلمات تشمل كل ما يطلق عليه اسم الظلمة ، والنور يشمل كل ما يطلق عليه اسم النور ، فيدخل تحت ذلك ظلمة الكفر ونور الإيمان أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ [ الأنعام : 122 ] . وأفرد النور لأنه جنس يشمل جميع أنواعه ، وجمع الظلمات لكثرة أسبابها وتعدد أنواعها نظيره ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة الموضع المظلم يخالف كل واحد منهما صاحبه ، والنور ضرب واحد لا يختلف كما تختلف الظلمات .