صديق الحسيني القنوجي البخاري

345

فتح البيان في مقاصد القرآن

قال النحاس : ( جعل ) ههنا بمعنى خلق ، وإذا كانت بمعنى خلق لم تتعد إلا إلى مفعول واحد ، وقال القرطبي : جعل هنا بمعنى خلق ، لا يجوز غيره ، قال ابن عطية : وعليه يتفق اللفظ والمعنى في النسق فيكون الجمع معطوفا على الجمع والمفرد معطوفا على المفرد ، وتقديم الظلمات على النور لأنها الأصل ، ولهذا كان النهار مسلوخا عن الليل . عن مجاهد قال : نزلت هذه الآية في الزنادقة قالوا إن اللّه لم يخلق الظلمة ولا الخنافس ولا العقارب ولا شيئا قبيحا ، وإنما يخلق النور وكل شيء حسن فأنزلت فيهم هذه الآية وفيه أيضا رد قول الثنوية بقدم النور والظلمة ، وعن ابن عمرو بن العاص عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن اللّه خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل » ذكره البغوي بغير سند . ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ « ثم » لاستبعاد ما صنعه الكفار من كونهم بربهم يعدلون مع ما تبين من أن اللّه سبحانه حقيق بالحمد على خلقه السماوات والأرض والظلمات والنور ، قال الزمخشري ، فإن هذا يقتضي الإيمان به وصرف الثناء الحسن إليه لا الكفر به واتخاذ شريك له . والباء متعلقة بيعدلون والتقديم للاهتمام ورعاية الفواصل وحذف المفعول لظهوره أي يعدلون به ما لا يقدر على شيء مما يقدر عليه ، وهذا نهاية الحمق وغاية الرقاعة حيث يكون منه سبحانه وتعالى تلك النعم ، ويكون من الكفرة الكفر . قال علي : نزلت هذه الآية يعني الحمد للّه إلى قوله يعدلون في أهل الكتاب ، وقال قتادة : هم أهل الشرك وعن السدي مثله ، وقال مجاهد : يعدلون أي يشركون وعن زيد قال : الآلهة التي عبدوها عدلوها باللّه وليس للّه عدل ولا ند ، وليس معه آلهة ولا اتخذ صاحبة ولا ولدا ، وأصل العدل مساواة الشيء بالشيء ، وقال النضر بن شميل : الباء بمعنى عن أي عن ربهم ينحرفون من العدول عن الشيء . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 2 إلى 4 ] هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ( 2 ) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ( 3 ) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ( 4 ) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ في معناه قولان أحدهما : وهو الأشهر وبه قال الجمهور أن المراد آدم عليه السلام ، ومن لابتداء الغاية وأخرجه مخرج الخطاب للجميع لأنهم ولده ونسله الثاني : أن يكون المراد جميع البشر باعتبار أن النطفة التي خلقوا منها مخلوقة من الطين ، وإنما ذكر اللّه سبحانه خلق آدم وبنيه بعد خلق