صديق الحسيني القنوجي البخاري

326

فتح البيان في مقاصد القرآن

الذنوب والإصرار على المعاصي وقوموا بصلاحها ، يقال عليك زيدا أي ألزم زيدا فالنصب على الإغراء ، واختلف النحاة في الضمير المتصل بها وبأخواتها نحو إليك ولديك ومكانك ، والصحيح أنه في موضع جر ، كما كان قبل أن تنقل الكلمة إلى الإغراء ، وهذا مذهب سيبويه . وذهب الكسائي إلى أنه منصوب المحل وفيه بعد لنصب ما بعده ، وذهب الفراء إلى أنه مرفوع ، وقد حققت هذه المسائل بدلائلها مبسوطة في شرح التسهيل . لا يَضُرُّكُمْ ضلال مَنْ ضَلَّ من الناس أي أهل الكتاب وغيرهم إِذَا اهْتَدَيْتُمْ للحق أنتم في أنفسكم ، وليس في الآية ما يدل على سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإن من تركه مع كونه من أعظم الفروض الدينية فليس بمهتد ، وقد قال سبحانه : إِذَا اهْتَدَيْتُمْ . وقد دلت الآيات القرآنية والأحاديث المتكاثرة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجوبا مضيقا متحتما ، فتحمل هذه الآية على من لا يقدر على القيام بواجب الأمر والنهي أو لا يظن التأثير بحال من الأحوال أو يخشى على نفسه أن يحل به ما يضره وضررا يسوغ له معه الترك . أخرج الترمذي وصححه وابن ماجة وابن جرير والبغوي وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أبي أمية الشعباني قال : أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له : كيف تصنع في هذه الآية قال أية آية ؟ قلت قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الخ قال أما واللّه لقد سألت عنها خبيرا ، سألت عنها رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال : « بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العوام ، فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم ، وفي لفظ قيل يا رسول اللّه منا أو منهم ، قال بل أجر خمسين منكم » « 1 » . وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن عامر الأشعري أنه كان فيهم أعمى فاحتبس على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثم أتاه فقال له : « ما حبسك ؟ قال يا رسول اللّه قرأت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ الآية ، قال فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : أين ذهبتم ، إنما هي لا يضركم من ضل من الكفار إذا اهتديتم » « 2 » . وأخرج أبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 5 ، باب 18 ، وابن ماجة في الفتن باب 21 . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند 5 / 74 .