صديق الحسيني القنوجي البخاري
327
فتح البيان في مقاصد القرآن
وابن أبي حاتم وابن حبان والدارقطني وأحمد وغيرهم عن قيس بن أبي حازم قال : قام أبو بكر فحمد اللّه وأثنى عليه وقال يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية وإنكم تضعونها على غير مواضعها ، وإني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك أن يعمهم اللّه بعقاب » « 1 » ، وفي لفظ لابن جرير عنه : « واللّه لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليعمنكم اللّه منه بعقاب » . وعن ابن مسعود وسأله رجل عن قوله عليكم أنفسكم قال : إنه ليس بزمانها إنها اليوم مقبولة ولكنه قد أوشك أن يأتي زمان تأمرون بالمعروف فيصنع بكم كذا وكذا أو قال فلا يقبل منكم ، فحينئذ عليكم أنفسكم ، وعن ابن عمر أنها لأقوام يجيئون من بعدنا إن قالوا لم يقبل منهم ، وعن أبي بن كعب إنما تأويلها في آخر الزمان . وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال ذكرت هذه الآية عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « لم يجئ تأويلها لا يجيء تأويلها ، حتى يهبط عيسى ابن مريم عليه السلام » . قال الطبري : وأولى هذه الأقوال وأوضح التأويلات عندنا في هذه الآية ما روي عن أبي بكر الصديق وهو العمل بطاعة اللّه وأداء ما لزم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والأخذ على يد الظالم واللّه ما نزل آية أشد منها . وعن ابن المبارك هذه الآية أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن اللّه تعالى قال عليكم أنفسكم يعني أهل دينكم بأن يعظ بعضكم بعضا ويرغبه في الخيرات وينفره عن القبائح والمكروهات . وقال مجاهد وابن جبير : هي في اليهود والنصارى خذوا منهم الجزية واتركوهم . وقال أبو السعود : ولا يتوهم أن في هذه الآية رخصة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع استطاعتهما ، كيف لا ومن جملة الاهتداء أن ينكر على المنكر حسبما تفي به الطاقة انتهى . والأقوال والروايات في هذا الباب كثيرة وفيما ذكرناه كفاية ، ففيه ما يرشد إلى ما قدمنا من الجمع بين هذه الآية وبين الآيات والأحاديث الواردة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً أي إليه في الآخرة رجوع الطائع والعاصي والضال والمهتدي ، ففي الآية اكتفاء فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي فيخبركم بأعمالكم ويجزيكم
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الملاحم باب 17 ، والترمذي في الفتن باب 8 ، وتفسير سورة 5 ، باب 17 ، وابن ماجة في الفتن باب 20 ، وأحمد في المسند 1 / 2 ، 5 ، 7 ، 9 ، 4 / 361 ، 363 ، 364 ، 366 ، 6 / 333 .