صديق الحسيني القنوجي البخاري

321

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها الضمير يعود على نوع الأشياء المنهيّ عنها لا عليها أنفسها قاله ابن عطية ونقله الواحدي عن صاحب النظم ويحتمل أن يعود عليها أنفسها قاله الزمخشري بمعناه حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ أي مع وجود رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين أظهركم ونزول الوحي عليه تُبْدَ أي تظهر لَكُمْ بما يجب به عليكم النبي صلى اللّه عليه وسلم أو ينزل به الوحي فيكون ذلك سببا للتكاليف الشاقة ، وإيجاب ما لم يكن واجبا ، وتحريم ما لم يكن محرما بخلاف السؤال عنها بعد انقطاع الوحي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فإنه لا إيجاب ولا تحريم يتسبب عن السؤال . وقد ظن بعض أهل التفسير أن الشرطية الثانية فيها إباحة السؤال مع وجود رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ونزول الوحي عليه فقال : إن الشرطية الأولى أفادت عدم جوازه فقال إن المعنى وإن تسألوا عن غيرها مما مست إليه الحاجة تبدو لكم بجواب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عنها وجعل الضمير في عنها راجعا إلى أشياء غير الأشياء المذكورة ، وجعل ذلك كقوله : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ [ المؤمنون : 12 ] وهو آدم ثم قال : ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً [ المؤمنون : 13 ] أي ابن آدم ، وقد أطال سليمان الجمل الكلام على هذه الآية بذكر أقوال الكرخي والخازن والقرطبي والجرجاني لا نطول بذكرها . عَفَا اللَّهُ عَنْها أي عن ما سلف من مسألتكم فلا تعودوا إلى ذلك ، وقيل المعنى أن تلك الأشياء التي سألتم عنها هي مما عفا عنه ولم يوجبه عليكم فكيف تتسببون بالسؤال لإيجاب ما هو عفو من اللّه لازم ، وضمير عنها عائد إلى المسألة على الأول وإلى أشياء على الثاني ، على أن تكون جملة عفا اللّه عنها صفة ثالثة لأشياء والأول أولى ، لأن الثاني يسلتزم أن يكون ذلك المسؤول عنه قد شرعه اللّه ثم عفا عنه . ويمكن أن يقال : إن العفو بمعنى الترك أي تركها اللّه ولم يذكرها بشيء فلا تبحثوا عنها ، وهذا معنى صحيح لا يستلزم ذلك اللازم الباطل وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ جاء سبحانه بصيغة المبالغة ليدل ذلك على أنه لا يعاجل من عصاه بالعقوبة لكثرة مغفرته وسعة حلمه . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 102 إلى 103 ] قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ ( 102 ) ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 103 ) قَدْ سَأَلَها الضمير يرجع إلى المسألة المفهومة من لا تَسْئَلُوا لكن ليست هذه المسألة بعينها بل مثلها في كونها لا حاجة إليها ولا توجبها الضرورة الدينية قاله الزمخشري ، ونحا ابن عطية منحاه ، قال الشيخ ولا يتجه قولهما إلا على حذف مضاف ، وقد صرح به بعض المفسرين أي سأل أمثالها أو أمثال هذه السؤالات . قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ كما سأل قوم صالح الناقة وسأل قوم عيسى المائدة وسأل قوم