صديق الحسيني القنوجي البخاري

322

فتح البيان في مقاصد القرآن

موسى رؤية اللّه جهرة ثُمَّ لم يعملوا بها بل أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ أي ساترين لها تاركين للعمل بها فإن بني إسرائيل كانوا يستفتون أنبياءهم في أشياء فإذا أمروا بها تركوها فهلكوا . ولا بد من تقييد النهي في هذه بما لا تدعو إليه حاجة كما قدمنا لأن الأمر الذي تدعو إليه الحاجة في أمور الدين والدنيا قد أذن اللّه بالسؤال عنه فقال فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وقال صلى اللّه عليه وسلم : « قاتلهم اللّه ألا سألوا فإنما شفاء العي السؤال » « 1 » . ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ هذا كلام مبتدأ يتضمن الرد على أهل الجاهلية فيما ابتدعوه وجعل ههنا بمعنى سمي كما قال تعالى : إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [ الزخرف : 3 ] ويتعدى لمفعولين أحدهما محذوف والتقدير ما سمى اللّه حيوانا بحيرة قاله أبو البقاء ، وقال ابن عطية والزمخشري وأبو البقاء : إنها تكون بمعنى شرع ووضع أي ما شرع اللّه ولا أمر بها ، وقال ابن عطية ، وجعل في هذه الآية لا تكون بمعنى خلق لأن اللّه خلق هذه الأشياء كلها ، ولا بمعنى صير لأن التصيير لا بد له من مفعول ثان فمعناه ما بين اللّه ولا شرع . ومنع الشيخ هذه التقولات كلها بأن ( جعل ) لم يعد اللغويون من معانيها شرع وخرج الآية على التصيير ويكون المفعول الثاني محذوفا أي ما صير اللّه بحيرة مشروعة ، وقال أبو السعود : معنى ما جعل ما شرع وما وضع ولذلك عدى إلى مفعول واحد هو بحيرة وما عطف عليها ، ومن مزيدة لتأكيد النفي فإن الجعل التكويني كما يجيء تارة متعديا إلى مفعولين وأخرى إلى واحد كذلك الجعل التشريعي يجيء مرة متعديا إلى مفعولين كما في قوله تعالى : جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ [ المائدة : 97 ] وأخرى إلى واحد كما في الآية الكريمة انتهى . وبحيرة فعيلة بمعنى مفعولة كالنطيحة والذبيحة مأخوذة من البحر وهو شق الأذن ، قال ابن سيد الناس : البحيرة هي التي خليت بلا راع قيل هي التي يجعل درها للطّواغيت فلا يحتلبها أحد من الناس وجعل شق أذنها علامة لذلك ، قاله سعيد بن المسيب . قال الشافعي : كانوا إذا نتجت الناقة خمسة أبطن إناثا بحرت أذنها فحرمت ، وبه قال أبو عبيدة زاد : فلا تركب ولا تحلب ولا تطرد عن مرعى ولا ماء ، وإذا لقيها الضعيف لم يركبها ، وقيل إن الناقة إذا نتجت خمسة أبطن فإن كان الخامس ذكرا بحروا أذنه فأكله الرجال والنساء ، وإن كان الخامس أنثى بحروا أذنها وكانت حراما على النساء لحمها ولبنها .

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الطهارة باب 125 ، وابن ماجة في الطهارة باب 93 ، وأحمد في المسند 1 / 370 .