صديق الحسيني القنوجي البخاري

320

فتح البيان في مقاصد القرآن

الخامس : أن وزنه أفعلاء أيضا جمع لشيء بزنة ظريف . إِنْ تُبْدَ أي إذا بدت وظهرت لَكُمْ وكلفتم بها تَسُؤْكُمْ أي ساءتكم لما فيها من المشقة ، نهاهم اللّه تعالى عن كثرة مسائلهم لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فإن السؤال عما لا يعني ولا تدعو إليه حاجته قد يكون سببا لإيجابه على السائل وعلى غيره . وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس قال : خطب النبي صلى اللّه عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط فقال رجل : من أبي ! فقال : فلان فنزلت هذه الآية لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ « 1 » ، وأخرج البخاري وغيره نحوه عن ابن عباس . وقد بين هذا السائل في روايات أخر أنه عبد اللّه بن حذافة ، وأنه قال : من أبي ؟ فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم أبوك حذافة . وأخرج ابن حبان عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خطب فقال : « يا أيها الناس إن اللّه قد افترض عليكم الحج ، فقام رجل فقال أكل عام يا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فسكت عنه فأعادها ثلاث مرات فقال لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما قمتم بها ، ذروني ما تركتم فإنما هلك الذين قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم » « 2 » وذلك أن هذه الآية أعني لا تسألوا عن أشياء نزلت في ذلك ، وأخرجه أيضا جماعة من أهل الحديث ، وكل هؤلاء صرحوا في أحاديثهم أن الآية نزلت في ذلك . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سعد بن أبي وقاص قال : كانوا يسألون عن الشيء وهو لهم حلال فما زالوا يسألون حتى يحرم عليهم وإذا حرم عليهم وقعوا فيه . وأخرج ابن المنذر وهو في مسلم عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فيحرم من أجل مسألته » « 3 » . وأخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن أبي ثعلبة الخشني قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « إن اللّه حد حدودا فلا تعتدوها . وفرض لكم فرائض فلا تضيعوها ، وحرم أشياء فلا تنتهكوها ، وترك أشياء في غير نسيان ولكن رحمة لكم فاقبلوها ولا تبحثوا عنها » « 4 » ، وعن ابن عباس قال : لا تسألوا عن أشياء قال البحيرة والسائبة والوصيلة والحام .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 5 ، باب 12 ، ومسلم في الفضائل حديث 134 ، 135 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 5 ، باب 15 ، والنسائي في المناسك باب 1 . ( 3 ) أخرجه البخاري في الاعتصام باب 2 ، ومسلم في الفضائل حديث 132 ، 133 . ( 4 ) أخرجه الحاكم في المستدرك ، كتاب الأطعمة 4 / 115 .