صديق الحسيني القنوجي البخاري

319

فتح البيان في مقاصد القرآن

ثم أخبرهم أن ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ لهم فإن لم يمتثلوا ولم يطيعوا فما ضروا إلا أنفسهم ، وما جنوا إلا عليها ، ولا عذر لهم في التفريط ، وأما الرسول عليه الصلاة والسلام فقد فعل ما يجب عليه وقام بما أمره اللّه به ، والبلاغ هو الإبلاغ ، قاله السيوطي ، وعبر القاضي كالكشاف بقوله : أتى بما أمر به من التبليغ ، وذلك لقصد المبالغة والتكثير في زيادة الفعل والاستثناء مفرغ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ لا يخفى عليه شيء من أحوالكم أي نفاقكم ووفاقكم ظاهرا وباطنا فيجازيكم به . قُلْ لا يَسْتَوِي في الدرجة والرتبة ولا يعتدل الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ قيل المراد بهما الحرام والحلال ، وقيل المؤمن والكافر ، وقيل العاصي والمطيع وقيل الرديء والجيد ، والأولى أن الاعتبار بعموم اللفظ فيشمل هذه المذكورات وغيرها مما يتصف بوصف الخبث والطيب من الأشخاص والأعمال والأقوال ، فالخبيث لا يساوي الطيب بحال من الأحوال . وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وقيل لكل مخاطب يصلح لخطابه بهذا أو المراد نفي الاستواء في كل حال ولو في حال كون الخبيث معجبا للرائي للكثرة التي فيه ، فإن هذه الكثرة مع الخبث في حكم العدم ، لأن خبث الشيء يبطل فائدته ويمحق بركته ، ويذهب بمنفعته . والواو إما للحال أو للعطف على مقدر أي لا يستوي الخبيث والطيب لو لم يعجبك كثرة الخبيث ولو أعجبك كقولك أحسن إلى فلان وإن أساء إليك أي أحسن إليه إن لم يسئ إليك وإن أساء إليك والحاصل أن أهل الدنيا يعجبهم كثرة المال وزينة الدنيا وما عند اللّه خير وأبقى ، وفيه إشارة إلى قلة الخير وكثرة الشر . فَاتَّقُوا اللَّهَ فيما أمركم به ونهاكم عنه وآثروا الطيب وإن قل على الخبيث وإن كثر يا أُولِي الْأَلْبابِ أي العقول السليمة الخالصة لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ تفوزون وتنجون . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ لا حاجة لكم بالسؤال عنها ولا هي مما يعنيكم في أمر دينكم ، وفي أشياء مذاهب للنحاة . أحدها : أنه اسم جمع من لفظ شيء فهو مفرد لفظا جمع معنى ، وهو رأي الخليل وسيبوه . الثاني : وبه قال الفراء أنها جمع شيء كهين . الثالث : وبه قال الأخفش أنهما جمع شيء بزنة فلس . الرابع : وهو قول الكسائي وأبي حاتم أنه جمع شيء كبيت ، واعترض الناس عليه .