صديق الحسيني القنوجي البخاري

318

فتح البيان في مقاصد القرآن

وحكم ، وهذا ينبغي أن يحمل على تفسير المعنى لا تفسير اللغة إذ لم ينقل أهل العربية أنها تكون بمعنى بين ولا حكم ، ولكن يلزم من الجعل البيان ، والأول أولى ، وسميت الكعبة كعبة لأنها مربعة والتكعيب التربيع ، وأكثر بيوت العرب مدورة لا مربعة وقيل سميت كعبة لنتوئها وبروزها ، وكل بارز كعب مستديرا كان أو غير مستدير ومنه كعب القدم وكعوب القنا وكعب ثدي المرأة . الْبَيْتَ الْحَرامَ عطف بيان على جهة المدح لا على جهة التوضيح ، قاله الزمخشري وقيل مفعول ثان لجعل ، ولا وجه له ، وقيل بدل وسمي بيتا لأن له سقوفا وجدرا ، وهي حقيقة البيت وإن لم يكن به ساكن ، وسمي حراما لتحريم اللّه سبحانه إياه . ومعنى كونه قِياماً لِلنَّاسِ إنه مدار لمعاشهم ودينهم أي يقومون فيه بما يصلح دينهم ودنياهم يأمن فيه خائفهم وينصر فيه ضعيفهم ، وتربح فيه تجارتهم ويتعبد فيه متعبدهم ، وقال ابن عباس : قياما لدينهم ومعالم لحجهم ، وعنه قال : قياما أن يأمن من توجه إليها ، وعن ابن شهاب قال : يأمنون به من الجاهلية الأولى لا يخاف بعضهم من بعض حين يلقونهم عند البيت أو في الحرم أو في الشهر الحرام . وَالشَّهْرَ الْحَرامَ عطف على الكعبة ، وهو ذو الحجة وخصه من بين الأشهر الحرم لكونه زمان تأدية الحج ، وقيل هو اسم جنس المراد به الأشهر الحرم ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ، فإنهم كانوا لا يطلبون فيها دما ولا يقاتلون بها عدوا ، ولا يهتكون فيها حرمة ، فكانت من هذه الحيثية قياما للناس وَ جعل اللّه الْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ قياما لمصالحهم ، والمراد بالقلائد ذوات القلائد من الهدي وهي البدن ، خصت بالذكر لأن الثواب فيها أكثر ، وبها الحج بها أظهر ، فهو من عطف الخاص على العام ، قاله أبو السعود ، ولا مانع من أن تراد القلائد أنفسها أي التي كانوا يقلدون بها أنفسهم يأخذونها من لحاء شجر الحرم إذا رجعوا من مكة ليأمنوا على أنفسهم من العدو . ذلِكَ الجعل المذكور ، وقيل شرع اللّه ذلك وهو أقوى الوجوه لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي تفاصيل أمرهما ويعلم مصالحكم الدينية والدنيوية فإنها من جملة ما فيهما ، فكل ما شرعه لكم فهو جلب لمصالحكم ودفع لما يضركم وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ هذا تعميم بعد التخصيص والمعنى لا تخفى عليه خافية . اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لمن انتهك محارمه ولم يتب عن ذلك شَدِيدُ الْعِقابِ لأن الإيمان لا يتم إلا بحصول الرجاء والخوف وَأَنَّ اللَّهَ لمن تاب وأناب غَفُورٌ رَحِيمٌ . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 99 إلى 101 ] ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ ( 99 ) قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 100 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 101 )