صديق الحسيني القنوجي البخاري
317
فتح البيان في مقاصد القرآن
ما لفظه ميتا فهو طعامه » ، وعن أبي بكر الصديق قال : صيد البحر ما تصطاده أيدينا وطعامه ما لاثه البحر ، وفي لفظ طعامه كل ما فيه ، وفي لفظ طعامه ميتته . ويؤيد هذا ما في الصحيحين من حديث العنبرة التي ألقاها البحر فأكل الصحابة منها وأقرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على ذلك « 1 » ، وحديث هو الطهور ماؤه والحل ميتته « 2 » ، وحديث أحل لكم ميتتان ودمان « 3 » . مَتاعاً لَكُمْ أي متعتم به متاعا ، وقيل مختص بالطعام أي أحل لكم طعام البحر متاعا وهو تكلف جاء به من قال بالقول الأخير ، بل إذا كان مفعولا له كان من الجميع أي لمن كان مقيما منكم يأكله طريا وَلِلسَّيَّارَةِ أي المسافرين منكم يتزودونه ويجعلونه قديدا ، وقيل السيارة هم الذين يركبونه خاصة . وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ أي ما يصاد فيه وهو ما لا يعيش إلا فيه من الوحش المأكول أن تصيدوه ما دُمْتُمْ حُرُماً أي محرمين ، وظاهره تحريم صيده على المحرم ولو كان الصائد حلالا ، وإليه ذهب الجمهور إن كان الحلال صاده للمحرم لا إذا لم يصده لأجله ، وهو القول الراجح وبه يجمع بين الأحاديث . وقيل إنه يحل له مطلقا ، وذهب إليه جماعة ، وقيل يحرم عليه مطلقا ، وإليه ذهب آخرون ، وقد بسط الشوكاني هذا في شرحه نيل الأوطار . وقد ذكر اللّه تحريم الصيد على المحرم في ثلاثة مواضع من هذه السورة أحدها : في أولها وهو قوله : غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ الثاني قوله : لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ الثالث هذه الآية ، وكل ذلك لتأكيد تحريم الصيد على المحرم . وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما نهاكم عنه فلا تستحلوا الصيد في حال الإحرام ولا في الحرم أو في جميع الجائزات والمحرمات ، ثم حذرهم بقوله : الَّذِي إِلَيْهِ لا إلى غيره تُحْشَرُونَ وفيه تشديد ومبالغة في التحذير . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 97 إلى 98 ] جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 97 ) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 98 ) جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ جعل هنا بمعنى خلق ، وقيل بمعنى صير وقيل بمعنى بين
--> ( 1 ) أخرج حديث العنبرة البخاري في الذبائح باب 12 ، والمغازي باب 65 ، ومسلم في الصيد حديث 18 ، والنسائي في الصيد باب 35 ، وأحمد في المسند 3 / 309 ، 311 . ( 2 ) تقدم الحديث مع تخريجه قبل قليل راجع الحاشية قبل السابقة . ( 3 ) أخرجه ابن ماجة في الصيد باب 9 ، والأطعمة باب 31 ، وأحمد في المسند 2 / 97 .