صديق الحسيني القنوجي البخاري
309
فتح البيان في مقاصد القرآن
في أمر دينكم وقد تكرر هذا في مواضع من الكتاب العزيز لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ما أنعم اللّه به عليكم من بيان شرائعه وإيضاح أحكامه . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 90 إلى 91 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 90 ) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ( 91 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ خطاب لجميع المؤمنين ، وقد تقدم تفسير الخمر والميسر في سورة البقرة وَالْأَنْصابُ هي الأصنام المنصوبة للعبادة ، جمع نصب كجمل أو نصب بضمتين وَالْأَزْلامُ قد تقدم تفسيرها في أول هذه السورة أي قداح الاستقسام رِجْسٌ يطلق على العذرة والأقذار ، قال الزجاج : الرجس اسم لكل ما استقذر من عمل قبيح يقال رجس بكسر الجيم وفتحها يرجس رجسا إذا عمل قبيحا ، وأصله من الرجس بفتح الراء وهو شدة صوت الرعد . وفرق ابن دريد بين الرجس والرجز والركس فجعل الرجس الشر ، والرجز العذاب ، والركس العذرة والنتن ، وهو خبر للخمر ، وخبر المعطوف عليه محذوف . مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ صفة لرجس أي كائن من عمله بسبب تحسينه لذلك وتزيينه له ودعائه إياكم إليها ، وليس المراد أنها من عمل يديه ، وقيل هو الذي كان عمل هذه الأمور بنفسه فاقتدى به بنو آدم . والضمير في فَاجْتَنِبُوهُ راجع إلى الرجس أو إلى المذكور أي كونوا جانبا منه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي لكي تدركوا الفلاح إذا اجتنبتم هذه المحرمات التي هي رجس . قال في الكشاف : أكد تحريم الخمر والميسر وجوها من التأكيد منها تصدير الجملة بإنما ، ومنها أنه قرنهما بعبادة الأصنام ، ومنه قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « شارب الخمر كعابد الوثن » « 1 » ، ومنها أنه جعلها رجسا كما قال : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [ الحج : 30 ] ومنها أنه جعلهما من عمل الشيطان والشيطان لا يأتي منه إلا الشر البحت ، ومنها أنه أمر بالاجتناب ومنها أنه جعل الاجتناب من الفلاح وإذا كان الاجتناب فلاحا كان الارتكاب خيبة ومحقة ، ومنها أنه ذكر ما ينتج منهما من الوبال ، وهو وقوع التعادي والتباغض بين أصحاب الخمر والقمار وما يؤديان إليه من الصد عن ذكر اللّه ، وعن مراعاة أوقات الصلوات . وفي هذه الآية دليل على تحريم الخمر لما تضمنه الأمر بالاجتناب من
--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة في الأشربة باب 3 ، بلفظ : « مد من الخمر كعابد وثن » .