صديق الحسيني القنوجي البخاري
303
فتح البيان في مقاصد القرآن
بل الآية فيمن آمن منهم مثل النجاشي وأصحابه ، والعموم أولى ، ولا وجه لتخصيص قوم دون قوم . والآية الكريمة ساكتة على قيد الإيمان وإنما هو مدح في مقابلة ذم اليهود ، وليس بمدح على الإطلاق ، وقد تقدم الفرق بين وصف اليهود بشدة الشكيمة والنصارى بلين العريكة . وفي الآية دليل على أن العلم أنفع شيء وأهداه إلى الخير ، وإن كان علم القسيسين ، وكذا علم الآخرة وإن كان في راهب ، وكذا البراءة من الكبر وإن كانت في نصراني . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 83 إلى 84 ] وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ( 83 ) وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ( 84 ) وَإِذا سَمِعُوا مستأنفة قاله الجلال السيوطي أو معطوفة على لا يَسْتَكْبِرُونَ قاله أبو السعود والضمير يعود على النصارى المتقدمين بعمومهم ، وقيل هو لمن جاء من الحبشة إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، قال ابن عطية : لأن كل النصارى ليسوا إذا سمعوا . ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ أي القرآن تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ أي تمتلئ فتفيض لأن الفيض لا يكون إلا بعد الامتلاء جعل الأعين تفيض والفائض إنما هو الدمع قصدا للمبالغة كقولهم دمعت عينه ، ووضع الفيض الذي ينشأ من الامتلاء موضع الامتلاء من إقامة المسبب مقام السبب ومن الأولى لابتداء الغاية والثانية بيانية أي كان ابتداء الفيض ناشئا من معرفة الحق وكان من أجله وبسببه ، ويجوز أن تكون الثانية تبعيضية ، وقد أوضح أبو القاسم هذا غاية الإيضاح . والمعنى أنهم عرفوا بعض الحق فاشتد بكاؤهم منه فكيف إذا عرفوه كله وقرأوا القرآن وأحاطوا بالسنة . عن ابن الزبير قال : نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه ، وعن ابن عباس نحوه ، والروايات في هذا الباب كثيرة ، وهذا المقدار كيفي فليس المراد إلا بيان سبب نزول الآية ، وصفهم سبحانه بسيل الدمع عند البكاء ورقة القلب عند سماع القرآن . يَقُولُونَ مستأنفة لا محل لها كأنه قيل فما حالهم عند سماع القرآن فقال : يقولون يعني القسيسين والرهبان أو حال من أعينهم أو من فاعل عرفوا . رَبَّنا آمَنَّا بهذا الكتاب النازل من عندك على محمد صلى اللّه عليه وسلم وبمن أنزلته عليه فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ على الناس يوم القيامة من أمة محمد أو مع الشاهدين بأنه حق أو مع الشاهدين بصدق محمد وأنه رسولك إلى الناس .