صديق الحسيني القنوجي البخاري

304

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَما لَنا كلام مستأنف والاستفهام للاستبعاد أي أيّ شيء حصل لنا حال كوننا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ على توجيه الإنكار والنفي إلى السبب والمسبب جميعا لا إلى السبب فقط مع تحقق المسبب وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ أي القرآن من عنده على لسان رسوله أو المراد به الباري تعالى ، والمعنى أنهم استبعدوا انتفاء الإيمان منهم مع وجود المقتضى له وهو الطمع في أنعام اللّه ، فالاستفهام والنفي متوجهان إلى القيد والمقيد جميعا كقوله تعالى : ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً [ نوح : 13 ] . وَنَطْمَعُ عطف على نؤمن لا على لا نؤمن كما وقع للزمخشري إذ العطف عليه يقتضي إنكار عدم الإيمان وإنكار الطمع وليس مرادا بل المراد إنكار عدم الطمع أيضا وجوز أبو حيان أن يكون معطوفا على نؤمن على أنه منفي كنفي نؤمن والتقدير وما لنا لا نؤمن ولا نطمع فيكون في ذلك الإنكار لانتفاء إيمانهم وانتفاء طمعهم مع قدرتهم على تحصيل الشيئين الإيمان والطمع في الدخول مع الصالحين انتهى ، ذكر ذلك أبو البقاء باختصار ولم يطلع عليه أبو حيان فبحثه وقال لم يذكروه ، قاله الكرخي . أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا الجنة مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ أي ما لنا نجمع بين ترك الإيمان وبين الطمع في صحبة الصالحين يعني مع أمة محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم وقيل مع الأنبياء والمؤمنين . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 85 إلى 88 ] فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ ( 85 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ( 86 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( 87 ) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ( 88 ) فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا أي على هذا القول مخلصين له معتقدين لمضمونه جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ بمجرد القول لأنه قد سبق وصفهم بما يدل على إخلاصهم فيما قالوا وهو المعرفة والبكاء واستكانة القلب خالِدِينَ فِيها أي في الجنات وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ الموحدين المخلصين في إيمانهم . وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا التكذيب بالآيات كفر فهو من باب عطف الخاص على العام أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ هذا أثر الردّ في حق الأعداء ، والأول أثر القبول للأولياء ، والجحيم النار الشديدة الاتقاد ويقال جحم فلان النار إذا شدد إيقادها ويقال أيضا لعين الأسد جحمة لشدة اتقادها . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ الطيبات هي المستلذات مما أحله اللّه لعباده ، نهى الذين آمنوا أن يحرموا على أنفسهم شيئا منها إما لظنهم أن في ذلك