صديق الحسيني القنوجي البخاري

3

فتح البيان في مقاصد القرآن

الجزء الثاني بسم اللّه الرّحمن الرّحيم سورة النساء مدنية كلها وهي مائة وخمس وسبعون آية قال القرطبي : إلا آية واحدة نزلت بمكة عام الفتح في عثمان بن طلحة الحجبي وهي قوله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [ النساء : 58 ] قال النقاش : وقيل نزلت عند هجرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من مكة إلى المدينة . وقال علقمة وغيره : صدرها مكية ، وقال النحاس هذه الآية مكية . قال القرطبي : والصحيح الأول ، فإن في صحيح البخاري عن عائشة أنها قالت : ما نزلت سورة النساء إلا وأنا عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 1 » ، يعني قد بنى بها ، ولا خلاف بين العلماء أن النبي صلى اللّه عليه وسلم إنما بنى بعائشة بالمدينة ، ومن تبين أحكامها علم أنها مدنية لا شك فيها ، وقد ورد في فضل هذه السورة أخبار وآثار كثيرة ذكرت في محلها . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ سورة النساء ( 4 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ( 1 ) يا أَيُّهَا النَّاسُ المراد بهم الموجودون عند الخطاب من بني آدم وهم أهل مكة ، ويدخل فيه من سيوجد بدليل خارجي وهو الإجماع على أنهم مكلفون بما كلف به الموجدون . وعند الحنابلة خطاب المشافهة يتناول القاصرين عن درجة التكليف فينتظم في سلكهم من الحادثين بعد ذلك إلى يوم القيامة أو هو بطريق تغليب الموجودين على من لم يوجد كما غلب الذكور على الإناث في قوله اتَّقُوا رَبَّكُمُ لاختصاص ذلك وبجمع المذكر وعدم تناوله حقيقة للإناث عند غير الحنابلة ، وقد تقدم في البقرة معنى التقوى والرب . الَّذِي خَلَقَكُمْ فإن خلقه تعالى لهم على هذا النمط البديع من أقوى الدواعي إلى

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في فضائل القرآن باب 6 .