صديق الحسيني القنوجي البخاري
4
فتح البيان في مقاصد القرآن
الاتقاء من موجبات نقمته ، ومن أتم الزواجر عن كفران نعمته ، وذلك لأنه ينبئ عن قدرة شاملة لجميع المقدورات التي من جملتها عقابهم وعن نعمة كاملة لا يقادر قدرها . مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ آدم عليه السلام وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها حواء هذا أيضا من موجبات الاحتراز عن الإخلال بمراعاة ما بينهم من حقوق الأخوة ، و ( من ) لابتداء الغاية في الموضعين وخلقها منه لم يكن بتوليد كخلق الأولاد من الآباء فلا يلزم منه ثبوت حكم البنتية والأختية فيها . قال كعب ووهب وابن إسحاق : خلقت قبل دخول الجنة ، وقال ابن مسعود وابن عباس : إنما خلقت في الجنة بعد دخوله إياها . وَبَثَّ فرق ونشر مِنْهُما الضمير راجع إلى آدم وحواء المعبّر عنهما بالنفس والزوج رِجالًا كَثِيراً وصف مؤكد لما تفيده صيغة الجمع لكونها من جموع الكثرة وقيل هو نعت لمصدر محذوف أي بثا كثيرا وَنِساءً كثيرة ، وترك التصريح به استغناء واكتفاء بالوصف الأول . وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ أي تعاطون به ، قاله ابن عباس ، وقال الربيع تعاقدون وتعاهدون ، وقيل تتحالفون به ، وقيل تعظمونه ، والمعاني متقاربة ، وقال البيضاوي : أي يسأل بعضكم بعضا باللّه . وَالْأَرْحامَ بالنصب عطفا على محل الجار والمجرور ، كقولك مررت بزيد وعمرا ، وينصره قراءة « وبالأرحام » فإنهم كانوا يقرنون بينهما في السؤال والمناشدة فيقولون أسألك باللّه وبالرحم ، وأنشدك اللّه والرحم أو عطفا على الاسم الجليل أي اتقوا اللّه والأرحام فلا تقطعوها فإنها مما أمر اللّه به أن يوصل ، وهي الأولى . وقرىء والأرحام بالجر وأنكره البصريون والكوفيون وسيبويه والزجاج ، وحكى أبو علي الفارسي أن المبرد قال : لو صليت خلف إمام يقرأ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ بالجر لأخذت نعلي ومضيت . وقد رد الإمام أبو نصر القشيري ما قاله القادحون في قراءة الجر فقال : ومثل هذا الكلام مردود عند أئمة الدين لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القرآن ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم تواترا ، ولا يخفي أن دعوى التواتر باطلة ، يعرف ذلك من يعرف الأسانيد التي رووها بها ، ولكن ينبغي أن يحتج للجواز بورود ذلك في أشعار العرب ، ومنه قوله تعالى : وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ [ الحجر : 20 ] . وقيل التقدير : واتقوا قطع مودّة الأرحام فإنّ قطع الرحم من أكبر الكبائر ، وصلة الأرحام باب لكل خير فتزيد في العمر وتبارك في الرزق وقطعها سبب لكل شر ، ولذلك وصل تقوى الرحم بتقوى اللّه . وصلة الرحم تختلف باختلاف الناس فتارة يكون عادته مع رحمه الصلة بالإحسان ،