صديق الحسيني القنوجي البخاري
296
فتح البيان في مقاصد القرآن
ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حين تابوا ورجعوا عما كانوا عليه من الفساد بعد ما كانوا ببابل دهرا طويلا تحت قهر بختنصر أسارى في غاية الذل والمهانة فكشف عنهم الذلة والقحط . ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا وهذه إشارة إلى ما وقع منهم بعد التوبة من قتل يحيى بن زكريا وقصدهم لقتل عيسى ، وقيل : بسبب الكفر بمحمد صلى اللّه عليه وآله وسلم . و كَثِيرٌ مِنْهُمْ بدل من الضمير قال الكرخي : هذا الإبدال في غاية البلاغة وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ من قتل الأنبياء وتكذيب الرسل فيجازيهم بحسب أعمالهم ، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية ولرعاية الفواصل . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 72 ] لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ( 72 ) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ هذا كلام مبتدأ يتضمن بيان بعض فضائح أهل الكتاب والقائلون بهذه المقالة هم فرقة منهم يقال لهم اليعقوبية وقيل هم الملكانية قالوا : إن اللّه عز وجل حل في ذات عيسى ، وأن مريم ولدت إلها فرد اللّه عليهم بقوله : وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ أي والحال أن قد قال المسيح هذه المقالة فكيف يدعون الآلهية لمن يعترف على نفسه بأنه عبد مثلهم ، ودلائل الحدوث ظاهرة عليه . إِنَّهُ الشأن مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ كلام مبتدأ يتضمن بيان أن الشرك يوجب تحريم دخول الجنة إذا مات صاحبه على شركه ، وقيل هو من قول عيسى وَمَأْواهُ النَّارُ أي مصيره إليها في الآخرة . وَما لِلظَّالِمِينَ أي : المشركين ، فيه مراعاة معنى ( من ) بعد مراعاة لفظها ، وفيه الإظهار في مقام الإضمار للتسجيل عليهم بوصف الظلم مِنْ أَنْصارٍ ينصرونهم فيدخلونهم الجنة أو يخلصونهم من النار ويمنعونهم من عذاب اللّه ، وصيغة الجمع هنا للإشعار بأن نصرة الواحد أمر غير محتاج إلى التعرض لنفيه لشدة ظهوره وإنما ينبغي التعرض لنفي نصرة الجمع . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 73 إلى 75 ] لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 73 ) أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 74 ) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 75 )