صديق الحسيني القنوجي البخاري

297

فتح البيان في مقاصد القرآن

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ كلام مبتدأ أيضا لبيان بعض مخازيهم والمراد بثالث ثلاثة واحد من ثلاثة ولهذا يضاف إلى ما بعده ، ولا يجوز فيه التنوين كما قال الزجاج وغيره ، وإنما ينون وينصب ما بعده إذا كان ما بعده دونه بمرتبة نحو ثالث اثنين ورابع ثلاثة ، والقائل بأنه سبحانه وتعالى ثالث ثلاثة هم النصارى والمراد بالثلاثة : اللّه سبحانه وعيسى ومريم كما يدل عليه قوله أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ [ المائدة : 116 ] . وهذا هو المراد بقولهم ثلاثة أقانيم إقنيم الأب وإقنيم الابن وإقنيم روح القدس ، وقد تقدم في سورة النساء كلام في هذا ، وهو كلام معلوم البطلان ، ولا ترى في الدنيا مقالة أشد فسادا ولا أظهر بطلانا من مقالة النصارى . قال الواحدي : ولا يكفر من يقول : إن اللّه ثالث ثلاثة ولم يرد به أنه ثالث ثلاثة آلهة لأنه ما من اثنين إلا واللّه ثالثهما بالعلم ، ويدل عليه قوله تعالى في سورة المجادلة ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ [ المجادلة : 7 ] وقد قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لأبي بكر : « ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما » « 1 » . ثم رد اللّه سبحانه عليهم هذه الدعوى الباطلة فقال وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ أي ليس في الوجود إله لا ثاني له ولا شريك له ولا ولد له ولا صاحبة له إلا اللّه سبحانه ، وهذه الجملة حالية والمعنى قالوا تلك المقالة والحال أنه لا موجد إلا اللّه ، و ( من ) في قوله : ( من إله ) لتأكيد الاستغراق المستفاد من النفي ، قاله الزمخشري ، قال السمين : ولكن لم أرهم قالوه وفيه مجال للنظر وقيل زائدة . وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ من الكفر وهذه المقالة الخبيثة لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ من بيانية أو تبعيضية عَذابٌ أَلِيمٌ أي : نوع شديد الألم من العذاب وجيع في الآخرة . أَ فَلا الهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر يَتُوبُونَ من قولهم بالتثليث إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ فيه تعجيب من إصرارهم بمعنى الأمر أي : ليتوبوا وليستغفروه وَاللَّهُ غَفُورٌ لهؤلاء إن تابوا ولغيرهم والواو للحال رَحِيمٌ بهم . مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ أي هو مقصور على الرسالة لا يجاوزها كما

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة باب 2 ، ومناقب الأنصار باب 45 ، والترمذي في تفسير سورة 9 ، باب 711 وأحمد في المسند 1 / 4 .