صديق الحسيني القنوجي البخاري

295

فتح البيان في مقاصد القرآن

هذا على كون المراد بالذين آمنوا المنافقين ، وأما على تقدير كون المراد بالذين آمنوا جميع أهل الإسلام المخلص والمنافق فالمراد بمن آمن من اتصف بالإيمان الخالص واستمر عليه ومن أحدث إيمانا خالصا بعد نفاقه . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 70 إلى 71 ] لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ( 70 ) وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ( 71 ) لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ كلام مبتدأ لبيان بعض أفعالهم الخبيثة وجناياتهم المنادية باستبعاد الإيمان منهم أي واللّه لقد أخذنا ميثاقهم بالتوحيد وسائر الشرائع والأحكام المكتوبة عليهم في التوراة ، وقد تقدم في البقرة بيان معنى الميثاق وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا ليعرفوهم بالشرائع وينذروهم كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ جملة شرطية وقعت جوابا لسؤال ناشىء من الإخبار بإرسال الرسل كأنه قيل : ماذا فعلوا بالرسل ؟ وجواب الشرط محذوف أي عصوه . فَرِيقاً كَذَّبُوا جملة مستأنفة أيضا جواب عن سؤال ناشىء عن الجواب الأول كأنه قيل ؛ كيف فعلوا بهم ؟ فقيل فريقا كذبوا منهم ولم يتعرضوا لهم بضرر وَفَرِيقاً آخر منهم يَقْتُلُونَ أي : قتلوهم ولم يكتفوا بتكذيبهم ، وإنما قال : وفريقا يقتلون لمراعاة رؤوس الأي فممن كذبوه عيسى وأمثاله من الأنبياء ، وممن قتلوه زكريا ويحيى ، وإنما فعلوا ذلك نقضا للميثاق وجرأة على اللّه ومخالفة لأمره . وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ أي : حسب هؤلاء الذين أخذ اللّه عليهم الميثاق أن لا يقع من اللّه عز وجل ابتلاء واختبار بالشدائد اغترارا بقولهم : نحن أبناء اللّه وأحباؤه ، وحسب بمعنى علم لأن ( أن ) معناها التحقيق أو حسب بمعنى الظن على أن ( أن ) ناصبة للفعل قال النحاس : والرفع عند النحويين في حسب وأخواتها أجود ، وإنما حملهم على ذلك الظن الفاسد أنهم كانوا يعتقدون أن كل رسول جاءهم بشرع آخر غير شرعهم يجب عليهم تكذيبه وقتله ، فلهذا حسبوا أن لا يكون فعلهم ذلك فتنة يبتلون بها . وقيل : إنما أقدموا على ذلك لاعتقادهم أن آباءهم وأسلافهم يدفعون عنهم العذاب في الآخرة فَعَمُوا عن أبصار الهدى وَصَمُّوا عن استماع الحق ، وهذا إشارة إلى ما وقع من بني إسرائيل في الابتداء من مخالفة أحكام التوراة وقتل شعيا وقيل سببه عبادتهم العجل في زمن موسى عليه السلام ولا يصح فإنها وإن كانت معصية عظيمة ناشئة عن كمال العمى والصمم لكنها في عصر موسى ، ولا تعلق لها مما حكى عنهم مما فعلوا بالرسل الذين جاءوا إليهم بعد موسى عليه السلام .