صديق الحسيني القنوجي البخاري

294

فتح البيان في مقاصد القرآن

أن اللّه لا يرشد من حاد عن سبيل الحق وجار عن قصد السبيل وجحد ما جئت به من عند اللّه ولم ينته فيما فرض عليه وأوجبه . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 68 إلى 69 ] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 68 ) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 69 ) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ فيه تحقير وتقليل لما هم عليه أي : لستم على شيء يعتد به من الدين المرتضى عند اللّه حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ أي : حتى تعملوا بما فيهما من أوامر اللّه ونواهيه التي من جملتها أمركم باتباع محمد صلى اللّه عليه وسلم ونهيكم عن مخالفته قال أبو علي الفارسي : ويجوز أن يكون ذلك قبل النسخ لهما . وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ قيل هو القرآن فإن إقامة الكتابين لا تصح بغير إقامته ، ويجوز أن يكون المراد ما أنزل إليهم على لسان الأنبياء من غير الكتابين . وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً أي كفرا إلى كفرهم وطغيانا إلى طغيانهم والمراد بالكثير منهم من لم يسلم واستمر على المعاندة ، وقيل المراد به العلماء منهم وتصدير هذه الجملة بالقسم لتأكيد مضمونها . فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ أي دع عنك التأسف على هؤلاء فإن ضرر ذلك راجع إليهم ونازل بهم . إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بألسنتهم وهم المنافقون وَالَّذِينَ هادُوا أي دخلوا في دين اليهود وهو مبتدأ والواو لعطف الجمل أو للاستئناف وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى معطوفان على المبتدأ ، وقال الخليل وسيبويه الرفع محمول على التقديم والتأخير ، والتقدير إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن باللّه واليوم الآخر والصابئون والنصارى كذلك ، وقيل غير ذلك . وفي المقام وجوه تسعة أخرى ذكرها السمين ، والذي مشينا عليه أوضح وأظهر من الكل ، وظاهر الإعراب يقتضي أن يقال « والصابئين » وكذا قرأ أبي وابن مسعود وابن كثير ، وقرأ الجمهور بالرفع وقد تقدم الكلام على الصابئين والنصارى في سورة البقرة وهو من صبا يصبو لأنهم صبؤا إلى اتباع الهوى ويبدل من المبتدأ الذي هو الفرق الثلاثة بدل بعض قوله : مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ إيمانا خالصا على الوجه المطلوب وَالْيَوْمِ الْآخِرِ منهم ، وحذف لكونه معلوما عند السامعين وَعَمِلَ عملا صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أي فهو الذي لا خوف عليه ولا حزن .