صديق الحسيني القنوجي البخاري
279
فتح البيان في مقاصد القرآن
أن يكون خطابا لكل من يتصف بالإيمان أعم من أن يكون ظاهرا وباطنا أو ظاهرا فقط ، فيدخل المسلم والمنافق . ويؤيد هذا قوله : فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [ المائدة : 52 ] والاعتبار بعموم اللفظ قال ابن عباس أسلم عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول ثم قال : إن بيني وبين قريظة حلفا وإني أخاف الدوائر فارتد كافرا ، وقال عبادة بن الصامت : أبرأ إلى اللّه من حلف قريظة والنضير وأتولى اللّه ورسوله فنزلت ، وبهذا يتضح المراد والمراد من النهي عن اتخاذهم أولياء أن يعاملوا معاملة الأولياء في المصادقة والمعاشرة والمناصرة . بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ المعنى أن بعض اليهود أولياء للبعض الآخر منهم وبعض النصارى أولياء للبعض الآخر منهم ، وليس المراد بالبعض إحدى طائفتي اليهود والنصارى ، والبعض الآخر الطائفة الأخرى ، للقطع بأنهم في غاية من العداوة والشقاق ، وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ ، وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ [ البقرة : 113 ] . وقيل المراد أن كل واحدة من الطائفتين توالي الأخرى وتعاضدها وتناصرها على عداوة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وعداوة ما جاء به وإن كانوا في ذات بينهم متعادين متضادين . ووجه تعليل النهي بهذه الجملة أنها تقتضي أن هذه الموالاة هي شأن هؤلاء الكفار لا شأنكم فلا تفعلوا ما هو من فعلهم فتكونوا مثلهم ، ولهذا عقب هذه الجملة التعليلية بما هو كالنتيجة لها فقال : وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ أي ومن يتولى اليهود والنصارى دون المؤمنين فَإِنَّهُ مِنْهُمْ أي فإنه من جملتهم وفي عدادهم لأنه لا يوالي أحد أحدا إلا وهو عنه راض ، فإذا رضي عنه رضي دينه فصار من أهل ملته ، وهو وعيد شديد ، فإن المعصية الموجبة للكفر هي التي قد بلغت إلى غاية ليس وراءها غاية . قال أبو السعود : وفيه زجر شديد للمؤمنين عن إظهار صورة الموالاة لهم وإن لم تكن موالاة في الحقيقة انتهى ، وهذا تعليم من اللّه تعالى وتشديد عظيم في مجانبة اليهود والنصارى وكل من خالف دين الإسلام وسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم . إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ تعليل للجملة التي قبلها أي أن وقوعهم في الكفر هو بسبب عدم هدايته سبحانه لمن ظلم نفسه بما يوجب الكفر كمن يوالي الكافرين ، قال حذيفة : ليتق أحدكم أن يكون يهوديا أو نصرانيا وهو لا يشعر وتلا هذه الآية . وعن أبي موسى قال : قلت لعمر بن الخطاب : إن لي كاتبا نصرانيا فقال : ما لك وله قاتلك اللّه ، ألا اتخذت حنيفا يعني مسلما ، أما سمعت قول اللّه وتلا هذه