صديق الحسيني القنوجي البخاري
280
فتح البيان في مقاصد القرآن
الآية ، قلت : له دينه ولي كتابته ، فقال : لا أكرمهم إذ أهانهم اللّه ، ولا أعزهم إذ أذلهم اللّه ، ولا أدنيهم إذ أبعدهم اللّه ، قلت : إنه لا يتم أمر البصرة إلا به فقال : مات النصراني والسلام ، يعني هب أنه مات فما تصنع بعده فما تعمله بعد موته فاعمله الآن ، واستغن عنه بغيره من المسلمين . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 52 إلى 53 ] فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ ( 52 ) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ ( 53 ) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ الفاء للسببية والخطاب إما للرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم أو لكل من يصلح له ، أي ما ارتكبوه من الموالاة ووقعوا فيه من الكفر هو بسبب ما في قلوبهم من مرض النفاق والشك في الدين والرؤية إما قلبية أو بصرية . وقرىء فيرى بالتحتية ، واختلف في فاعله ما هو فقيل هو اللّه عز وجل وقيل هو كل من يصلح منه الرؤية وقيل هو الموصول أي فيرى القوم الذين يُسارِعُونَ فِيهِمْ أي في مودة اليهود والنصارى وموالاتهم ومناصحتهم لأنهم كانوا أهل ثروة ويسار يخالطونهم ويغشونهم لأجل ذلك نزلت في ابن أبيّ المنافق وأصحابه ، وجعل المسارعة في موالاتهم مسارعة فيهم للمبالغة في بيان رغبتهم في ذلك حتى كأنهم مستقرون فيهم داخلون في عدادهم . يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ جملة مشتملة على تعليل المسارعة في الموالاة أي أن هذه الخشية هي الحاملة لهم على المسارعة ، والدائرة ما يدور من مكابرة الدهر ودوائره كالدولة التي تزول ، أي يقول المنافقون إنما نخالط اليهود لأنا نخشى أن يدور علينا الدهر بمكروه وهو الهزيمة في الحرب والقحط والجدب والحوادث المخوفة . قال ابن عباس : نخشى أن لا يتم أمر محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم فيدور علينا الأمر كما كان قبل محمد ، يعني نخشى أن يظفر بمحمد صلى اللّه عليه وآله وسلم فتكون الدولة لهم وتبطل دولته فيصيبنا منهم مكروه ، وفرّق الراغب بين الدائرة والدولة بأن الدائرة هي الحظ المحيط ثم عبر بها عن الحادثة ، وإنما يقال الدّائرة في المكروه ، والدولة في المحبوب . فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ رد عليهم ودفع لما وقع لهم من الخشية ، وعسى في كلام اللّه سبحانه وعد صادق لا يتخلف ، والفتح ظهور النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم على الكافرين ، ومنه ما وقع من قتل مقاتلة بني قريظة وسبي ذراريهم وإجلاء بني النضير ، وقيل هو فتح بلاد المشركين على المسلمين وقيل فتح مكة .