صديق الحسيني القنوجي البخاري
270
فتح البيان في مقاصد القرآن
فَمَنْ تَصَدَّقَ من المستحقين للقصاص بِهِ أي بالقصاص بأن عفا عن الجاني ولم يقتص منه فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ أي للمتصدق يكفر اللّه عنه بها ذنوبه ، وهذا قول ابن مسعود وعبد اللّه بن عمرو بن العاص والحسن . ويدل له ما أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجة عن أبي الدرداء قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول : « ما من مسلم يصاب بشيء في جسده فيتصدق به إلا رفعه اللّه به درجة وحط عنه به خطيئة » « 1 » وعن أنس : ما رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم رفع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو « 2 » وأخرجه أبو داود والنسائي . وقيل : إن المعنى فهو كفارة للجارح فلا يؤاخذ بجنايته في الآخرة ، وبه قال ابن عباس ومجاهد ومقاتل لأن العفو يقوم مقام أخذ الحق منه ، والأول أرجح لأن الضمير يعود على هذا التفسير الآخر إلى غير مذكور . قال الحافظ ابن القيم : والتحقيق أن القاتل يتعلق به ثلاثة حقوق ، حق للّه تعالى ، وحق للمقتول ، وحق للولي ، فإذا أسلم القاتل نفسه طوعا واختيارا إلى الولي ندما على ما فعل خوفا من اللّه وتوبة نصوحا سقط حق اللّه بالتوبة ، وحق الأولياء بالاستيفاء أو الصلح أو العفو ، وبقي حق للمقتول يعوضه اللّه عنه يوم القيامة عن عبده التائب ويصلح بينه وبينه انتهى . وأما لو سلّم القاتل نفسه اختيارا من غير ندم ولا توبة أو قتل كرها فيسقط حق الوارث فقط ويبقى حق اللّه تعالى لأنه لا يسقطه إلا التوبة كما علمت ، ويبقى حق المقتول أيضا لأنه لم يصل له شيء من القاتل ويطالبه به في الآخرة ، ولا يقال يعوضه اللّه عنه مثل ما تقدم لأنه لم يسلم نفسه تائبا ، تأمل قاله سليمان الجمل ، وعبارة الرملي على المنهاج : وبالقود أو العفو أو أخذ الدية لا تبقى مطالبة أخروية . وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قيل نزلت هذه الآية حين اصطلحوا على أن لا يقتل الشريف بالوضيع ولا الرجل بالمرأة فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ضمير الفصل مع اسم الإشارة وتعريف الخبر يستفاد منها أن الظلم الصادر منهم ظلم عظيم بالغ إلى الغاية ، وذكر الظلم هنا مناسب لأنه جاء عقب أشياء مخصوصة من أمر القتل والجرح فناسب ذكر الظلم المنافي للقصاص وعدم التسوية فيه .
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في الديات باب 5 ، وابن ماجة في الديات باب 35 ، وأحمد في المسند 1 / 195 ، 196 ، 2 / 287 ، 3 / 148 ، 4 / 98 ، 5 / 316 ، 6 / 448 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في الديات باب 3 ، والنسائي في القسامة باب 28 ، وابن ماجة في الديات باب 35 ، وأحمد في المسند 3 / 213 ، 252 .