صديق الحسيني القنوجي البخاري
271
فتح البيان في مقاصد القرآن
وهذه الآية من الأدلة على اشتراط الاجتهاد فإنه لا يحكم بما أنزل اللّه إلا من عرف التنزيل والتأويل . ومما يدل على ذلك حديث معاذ بن جبل أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لما بعثه إلى اليمن يعني قاضيا قال « أي امتحانا له » : كيف تقضي إذا عرض لك قضاء ؟ قال : أقضي بكتاب اللّه ، قال : فإن لم تجد في كتاب اللّه قال : فبسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال : فإن لم تجد في سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال : أجتهد رأيي ولا آلو . أي لا اقصر في الاجتهاد والتحري للصواب . قال أي الراوي . فضرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على صدره وقال : « الحمد للّه الذي وفق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما يرضى به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 1 » » ، رواه الترمذي وأبو داود والدارمي ، وهو حديث مشهور قد بين الشوكاني رحمه اللّه طرقه ومن خرجه في بحث مستقل . ومعلوم أن المقلد لا يعرف كتابا « ولا سنة » ولا رأي له بل لا يدري بأن الحكم موجود في الكتاب والسنة فيقضي ، أوليس بموجود فيجتهد رأيه ، فإذا ادعى المقلد أنه يحكم برأيه فهو يعلم أنه يكذب على نفسه لاعترافه بأنه لا يعرف كتابا ولا سنة ، فإذا زعم أنه حكم برأيه فقد أقر على نفسه بأن حكم بالطاغوت . وقد سئل القاضي الشوكاني هل الراجح جواز قضاء المقلد أم لا فأجاب بما لفظه . « الأوامر القرآنية ليس فيها إلا أمر الحاكم بأن يحكم بالعدل والحق وما أنزل اللّه وما أراه اللّه ، ومن المعلوم لكل عارف أنه لا يعرف هذه الأمور إلا من كان مجتهدا إذ المقلد إنما هو قابل قول الغير دون حجة ، وليس الطريق إلى العلم بكون الشيء حقا أو عدلا إلا الحجة ، والمقلد لا يعقل الحجة إذا جاءته فكيف يهتدي للاحتجاج بها ، وهكذا لا علم عنده بما أنزل اللّه إنما عنده علم بقول من قلده ، فلو فرض أنه يعلم بما أنزل اللّه وما جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم علما صحيحا لم يكن مقلدا بل هو مجتهد » . وهكذا لا نظر للمقلد فإن حكم بشيء فهو لم يحكم بما أراه اللّه بل بما أراه إمامه ولا يدري أذلك القول الذي قاله إمامه موافق للحق أم مخالف له . وبالجملة فالقاضي هو من يقضي بين المسلمين بما جاء عن الشارع كما جاء في حديث معاذ المتقدم ، وهذا الحديث وإن كان فيه مقال فقد جمع طرقه وشواهده الحافظ ابن كثير في جزء وقال : هو حديث حسن مشهور اعتمد عليه أئمة الإسلام ، وقد أخرجه أيضا أحمد وابن عدي والطبراني والبيهقي ، ولأئمة الحديث فيه كلام طويل ، والحق أنه من الحسن لغيره وهو معمول به .
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الأقضية باب 11 ، وابن ماجة في المناسك باب 38 ، والدارمي في المقدمة باب 20 ، وأحمد في المسند 1 / 37 ، 5 / 230 ، 242 .