صديق الحسيني القنوجي البخاري
269
فتح البيان في مقاصد القرآن
أنه يلزمنا إذا لم ينسخ وهو الحق ، وقد ذكر ابن الصباغ في الشامل إجماع العلماء على الاحتجاج بهذه الآية على ما دلت عليه . قال ابن كثير في تفسيره : وقد احتج الأئمة كلهم على أن الرجل يقتل بالمرأة لعموم هذه الآية الكريمة انتهى ، وقد أوضح الشوكاني ما هو الحق في هذا في شرحه على المنتقى . وفي هذه الآية توبيخ لليهود وتقريع لكونهم يخالفون ما كتبه اللّه عليهم في التوراة كما حكاه هنا ويفاضلون بين الأنفس كما سبق بيانه ، وقد كانوا يقيدون بني النضير من بني قريظة ولا يقيدون بني قريظة من بني النضير . والظاهر من النظم القرآني أن العين إذا فقئت حتى لم يبق فيها مجال للإدراك أنها تفقأ عين الجاني بها ، والأنف إذا جدعت جميعها فإنها تجدع أنف الجاني بها ، والأذن إذا قطعت جميعها فإنها تقطع أذن الجاني بها ، وكذلك السن . فأما لو كانت الجناية ذهبت ببعض إدراك العين أو ببعض الأنف أو ببعض الأذن أو ببعض السن فليس في هذه الآية ما يدل على ثبوت القصاص . وقد اختلف أهل العلم في ذلك إذا كان معلوم القدر يمكن الوقوف على حقيته وكلامهم مدون في كتب الفروع . والظاهر من قوله : وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ أنه لا فرق بين الثنايا والأنياب ، والأضراس والرباعيات وأنه يؤخذ بعضها ببعض ، ولا فضل لبعضها على بعض وإليه ذهب أكثر أهل العلم كما قال ابن المنذر ، وخالف في ذلك عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ومن تبعه كلامهم مدون في مواطنه ، ولكنه ينبغي أن يكون المأخوذ في القصاص من الجاني هو المماثل للسن المأخوذة من المجنى عليه ، فإذا كانت ذاهبة فما يليها . وَالْجُرُوحَ يشمل الأطراف قِصاصٌ أي ذوات قصاص فيما يمكن أن يقتص منه وإلا فحكومة عدل ، وهذا تعميم بعد التخصيص ، وقد ذكر أهل العلم أنه لا قصاص في الجروح التي يخاف منها التلف ، ولا فيما كان لا يعرف مقداره عمقا أو طولا أو عرضا . وقد قدر أئمة الفقه أرش جراحه بمقادير معلومة ، وليس هذا موضع بيان كلامهم ، ولا موضع استيفاء بيان ما ورد له أرش مقدر ، وفيه دليل على أن هذا الحكم كان شرعا في التوراة فمن قال شرع من قبلنا يلزمنا إلا ما نسخ منه بالتفصيل قال هي حجة في شرعنا ، ومن أنكره قال إنها ليست بحجة . واختار الأول ابن الحاجب وهو الحق ، وذهب الأشاعرة والمعتزلة إلى المنع من ذلك وهو اختيار الآمدي وقد أوضحنا هذا في كتابنا حصول المأمول .