صديق الحسيني القنوجي البخاري

265

فتح البيان في مقاصد القرآن

هادوا يحكم بها النبيون الذين أسلموا ، واللام إما لبيان اختصاص الحكم بهم أعم من أن يكون لهم أو عليهم كأنه قيل لأجل الذين هادوا ، وإما للإيذان بنفعه للمحكوم عليه أيضا بإسقاط التبعة عنه وإما للاشعار بكمال رضاهم به وانقيادهم له كأنه أمر نافع للفريقين ، ففيه تعريض بالمحرفين وقيل للذين هادوا عليهم . وَالرَّبَّانِيُّونَ العلماء الحكماء من ولد هارون الذين التزموا طريقة النبيين وجانبوا دين اليهود ، وقال الحسن الفقهاء ، وقال مجاهد هم فوق الأحبار ، وقال الحسن الربانيون العباد والزهاد ، وعن ابن عباس قال الربانيون هم المؤمنون ، والأحبار هم القراء ، وقد سبق تفسيره في آل عمران . وَالْأَحْبارُ العلماء مأخوذ من التحبير وهو التحسين فهم يحبّرون العلم أي يحسنونه ، قال الجوهري : الحبر واحد أحبار اليهود بالفتح والكسر ، والكسر أفصح ، وقال الفراء إنما هو بالكسر وقال أبو عبيدة هو بالفتح . بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ الباء للسببية ومن للبيان والمعنى أمروا بالحفظ أي أمرهم الأنبياء بحفظ التوراة عن التغيير والتبديل وإليه نحا الزمخشري أي يحكمون بها بسبب هذا الاستحفاظ فهم خلفاء ونواب في ذلك . وَكانُوا عَلَيْهِ أي على كتاب اللّه وأنه حق شُهَداءَ أي رقباء يحمونه عن التغيير والتبديل بهذ المراقبة . فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ يا رؤساء اليهود فتكتموا ما أنزلت من نعت محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم والرجم وغيرهما وَاخْشَوْنِ في كتمان ذلك . وَلا تَشْتَرُوا أي لا تستبدلوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا من الدنيا على أن تكتموا ما أنزلت ، وقال ابن زيد لا تأكلوا السحت على كتابي يعني الرشوة وقد تقدم تحقيقه . وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ لفظ « من » من صيغ العموم فيفيد أن هذا غير مختص بطائفة معينة بل لكل من ولي الحكم وهو الأولى وبه قال السدي ، وقيل إنها مختصة بأهل الكتاب وقيل بالكفار مطلقا لأن المسلم لا يكفر بارتكاب الكبيرة وبه قال ابن عباس وقتادة والضحاك وقيل في خصوص بني قريظة والنضير ، وعن البراء بن عازب قال : أنزل اللّه هذه الآيات الثلاثة في الكفار أخرجه مسلم . وقال ابن مسعود والحسن والنخعي : هذه الآيات الثلاث عامة في اليهود وفي هذه الأمة ، فكل من ارتشى وحكم بغير حكم اللّه فقد كفر وظلم وفسق ، وهو الأولى لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وقيل هو محمول على أن الحكم بغير من ما أنزل اللّه وقع استخفافا أو استحلالا أو جحدا قاله أبو السعود . والإشارة بقوله : فَأُولئِكَ إلى مِنْ والجمع باعتبار معناها وكذلك ضمير