صديق الحسيني القنوجي البخاري
266
فتح البيان في مقاصد القرآن
الجماعة في قوله : هُمُ الْكافِرُونَ ذكر الكفر هنا مناسب لأنه جاء عقب قوله : وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وهذا كفر فناسب ذكر الكفر هنا قاله أبو حيان ، قال ابن عباس : يقول من جحد الحكم بما أنزل اللّه فقد كفر ، ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق . وعنه قال : إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه ، وأنه ليس كفر ينقل من الملة بل كفر دون كفر ، وقال عطاء : هم الظالمون هم الفاسقون هم الكافرون ، قال : كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم وفسق دون فسق ، وعن ابن عباس قال : نزلت في اليهود خاصة ، وقد روي نحو هذا عن جماعة من السلف . وعن حذيفة بسند صحيح أن هذه الآيات ذكرت عنده وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ، و الظَّالِمُونَ [ البقرة : 229 ] ، و الْفاسِقُونَ [ البقرة : 99 ] فقال رجل : إن هذا في بني إسرائيل ، فقال حذيفة : نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل إن كان لكم كل حلوة ، ولهم كل مرة ، كلا واللّه لتسلكن طريقهم قد الشراك ، وعن ابن عباس نحوه . وأقول هذه الآية وإن نزلت في اليهود لكنها ليست مختصة بهم لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وكلمة مِنْ وقعت في معرض الشرط فتكون للعموم ، فهذه الآية الكريمة متناولة لكل من لم يحكم بما أنزل اللّه وهو الكتاب والسنة ، والمقلد لا يدعي أنه حكم بقول العالم الفلاني وهو لا يدري هل ذلك الحكم الذي حكم به هو من محض رأيه أم من المسائل التي استدل عليها بالدليل ، ثم لا يدري أهو أصاب في الاستدلال أم أخطأ ، وهل أخذ بالدليل القوي أم الضعيف . فانظر يا مسكين ماذا صنعت بنفسك فإنك لم يكن جهلك مقصورا عليك بل جهلت على عباد اللّه ، فأرقت الدماء وأقمت الحدود وهتكت الحرم بما لا تدري ، فقبح اللّه الجهل بما أنزله ولا سيما إذا جعله صاحبه شرعا ودينا له وللمسلمين فإنه طاغوت عند التحقيق ، وأن ستر من التلبيس بستر رقيق . فيا أيها المقلد أخبرنا أي القضاة أنت من الذين قال فيهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به ، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار ، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار » « 1 » أخرجه أبو داود وابن ماجة عن بريدة . فباللّه عليك هل قضيت بالحق وأنت تعلم أنه الحق ؟ إن قلت نعم ، فأنت وسائر أهل العلم يشهدون بأنك كاذب لأنك معترف بأنك لا تعلم ما الحق ، وكذلك سائر الناس
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الأقضية باب 2 .