صديق الحسيني القنوجي البخاري

264

فتح البيان في مقاصد القرآن

وعند عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن المقسطين عند اللّه على منابر من نور عن يمين الرحمن ، وكلتا يديه يمين ، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا » « 1 » أخرجه مسلم . وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ فيه تعجيب للنبي صلى اللّه عليه وسلم من تحكيمهم إياه مع كونهم لا يؤمنون به ولا بما جاء به مع أن ما يحكّمونه فيه موجود عندهم في التوراة كالرجم ونحوه ، وإنما يأتون إليه صلى اللّه عليه وآله وسلم ويحكمونه طمعا منهم في أن يوافق تحريفهم وما صنعوه بالتوراة من التغيير . ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي من بعد تحكيمهم لك وحكمك الموافق لما في كتابهم وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ بك أو بكتابهم كما يدعون ويزعمون لإعراضهم عنه أولا ، وعما يوافقه ثانيا ، وهذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 44 ] إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ( 44 ) إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ استئناف يتضمن تعظيم التوراة وتفخيم شأنها وأن فيها بيان الشرائع والتبشير بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وإيجاب اتباعه . يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ هم أنبياء بني إسرائيل ، وبه تمسك من ذهب إلى أن شريعة من قبلنا شريعة لنا ما لم تنسخ والمراد بالنبيين الذين بعثوا بعد موسى ، وذلك أن اللّه بعث فيهم ألوفا من الأنبياء ليس معهم كتاب إنما بعثوا بإقامة التوراة وأحكامها وحمل الناس عليها والجملة إما مستأنفة أو حالية . الَّذِينَ أَسْلَمُوا صفة مادحة للنبيين ، وفيه إرغام لليهود المعاصرين له صلى اللّه عليه وآله وسلم بأن أنبياءهم كانوا يدينون بدين الإسلام الذي دان به محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ، وقيل المراد بالنبيين محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ، وعبر عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم بلفظ الجمع تعظيما . قال ابن الأنباري هذا رد على اليهود والنصارى لأن الأنبياء ما كانوا موصوفين باليهودية والنصرانية بل كانوا مسلمين للّه تعالى منقادين لأمره ونهيه والعمل بكتابه . لِلَّذِينَ هادُوا متعلق بيحكم والمعنى أنه يحكم بها النبيون للذين هادوا ، قال الزجاج جائز أن يكون المعنى على التقديم والتأخير على معنى فيها هدى ونور للذين

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الإمارة حديث 18 ، والنسائي في آداب القضاة باب 1 ، وأحمد في المسند 2 / 160 .