صديق الحسيني القنوجي البخاري

263

فتح البيان في مقاصد القرآن

لِلسُّحْتِ وهو بضم السين وسكون الحاء المال الحرام وأصله الهلاك والشدة ، من سحته إذا أهلكه ، ومنه : فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ [ طه : 61 ] ويقال للحالق أسحت أي استأصل وسمي الحرام سحتا لأنه يسحت الطاعات أي يذهبا ويستأصلها ، وقال الفراء أصله كلب الجوع ، وقيل هو الرشوة والأول أولى ، والرشوة تدخل في الحرام دخولا أوليا . وقد فسره جماعة بنوع من أنواع الحرام خاص كالهدية لمن يقضى له حاجة أو حلوان الكاهن والتعميم أولى بالصواب . قال ابن عباس أخذوا الرشوة في الحكم وقضوا بالكذب ، وعن ابن مسعود قال السحت الرشوة في الدين ، وقال سفيان في الحكم وعن ابن عباس قال : رشوة الحكام حرام ، وهي السحت الذي ذكر اللّه تعالى في كتابه . وعن علي أنه سئل عن السحت فقال : الرشى ، فقيل له في الحكم قال : ذلك الكفر ، وعن عمر قال : بابان من السحت يأكلهما الناس الرشى في الحكم ومهر الزانية ، وقد ثبت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في تحريم الرشوة ما هو معروف ، وعن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « لعن اللّه الراشي والمرتشي في الحكم » « 1 » ، أخرجه الترمذي وأخرجه أبو داود عن ابن عمرو بن العاص . فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ فيه تخيير لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين الحكم بينهم والإعراض عنهم ، وقد استدل به على أن حكام المسلمين مخيرون بين الأمرين ، وقد أجمع العلماء على أنه يجب على حكام المسلمين أن يحكموا بين المسلم والذمي إذا ترافعا إليهم . واختلفوا في أهل الذمة إذا ترافعوا فيما بينهم فذهب قوم إلى التخيير ، وبه قال الحسن والشعبي والنخعي والزهري ، وبه قال أحمد ، وذهب آخرون إلى الوجوب ، وقالوا إن هذه الآية منسوخة بقوله : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ [ المائدة : 49 ] وبه قال ابن عباس وعطاء ومجاهد وعكرمة والزهري وعمر بن عبد العزيز والسدي وهو الصحيح من قولي الشافعي ، وحكاه القرطبي عن أكثر العلماء وليس في هذه السورة منسوخ إلا هذا وقوله : وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ [ المائدة : 2 ] على ما سبق . أَوْ معنى إِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ إن اخترت الإعراض عن الحكم بينهم فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً أي إذا عادوك لإعراضك عنهم فإن اللّه يعصمك من الناس ، ولا سبيل لهم عليك لأنه سبحانه حافظك وناصرك عليهم وَإِنْ حَكَمْتَ أي اخترت الحكم بينهم فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ أي بالعدل الذي أمرك اللّه به وأنزله عليك إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ العادلين فيما ولوا وحكموا فيه .

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في الأحكام باب 9 ، وأبو داود في الأقضية باب 4 ، وابن ماجة في الأحكام باب 2 ، وأحمد في المسند 2 / 164 ، 190 ، 194 ، 212 ، 387 ، 388 ، 5 / 279 .