صديق الحسيني القنوجي البخاري
262
فتح البيان في مقاصد القرآن
التوراة قالوا نفضحهم ويجلدون ، قال عبد اللّه بن سلام : كذبتم إن فيها آية فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال عبد اللّه بن سلام : ارفع يدك فرفع فإذا آية الرجم ، قالوا : صدق ، فأمر بهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فرجما « 1 » . وقال الحسن في الآية : إنهم يغيرون ما يسمعون من النبي صلى اللّه عليه وسلم بالكذب عليه ، والأول أولى ، وقال ابن جرير الطبري يحرفون حكم الكلم فحذف ذكر الحكم لمعرفة السامعين به وفيه بعد . يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا الإشارة إلى الكلام المحرف أي قال يهود فدك ليهود المدينة إن أوتيتم من جهة محمد بهذا الكلام الذي حرفناه أي الجلد فَخُذُوهُ واعملوا به وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ بل جاءكم بغيره وأفتاكم بخلافه فَاحْذَرُوا من قبوله والعمل به . وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ أي ضلالته فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أي فلا تستطيع دفع ذلك عنه ولا تقدر على نفعه وهدايته ، وهذه الجملة مستأنفة مقّررة لما قبلها وظاهرها العموم ، ويدخل فيها هؤلاء الذين سياق الكلام معهم دخولا أوليا . أُولئِكَ الإشارة إلى ما تقدم ذكرهم من الذين قالوا آمنا بأفواههم ومن الذين هادوا وما في اسم الإشارة من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الفساد . الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ أي لم يرد تطهيرها من أرجاس الكفر والنفاق وخبث الضلالة كما طهر قلوب المؤمنين ، والجملة استئناف مبين لكون إرادته تعالى لفتنتهم منوطة بسوء اختيارهم وقبح صنيعهم الموجب لها لا واقعة منه تعالى ابتداء . وفي هذه الآية دلالة على أن اللّه تعالى لم يرد إسلام الكافر وأنه لم يطهر قلبه من الشكل والشرك ولو فعل ذلك لآمن ، وهذه الآية من أشد الآيات على القدرية . لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ بظهور نفاق المنافقين وبضرب الجزية على الكافرين وظهور تحريفهم وكتمهم لما أنزل اللّه في التوراة وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ يعني الخلود في النار . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 42 إلى 43 ] سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( 42 ) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ( 43 ) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ كرره تأكيدا لقبحه وليكون كالمقدمة لما بعده وهو أَكَّالُونَ
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في المناقب باب 26 ، والحدود باب 37 ، وأبو داود في الحدود باب 25 ، ومالك في الحدود حديث 1 .