صديق الحسيني القنوجي البخاري
258
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا لما ذكر سبحانه حكم من يأخذ المال جهارا وهو المحارب ، عقبه بذكر من يأخذ المال خفية وهو السارق ، وذكر السارقة مع السارق لزيادة البيان ، لأن غالب القرآن الاقتصار على الرجال في تشريع الأحكام . وقد اختلف أئمة النحو في خبر السارق والسارقة هل هو مقدر أم فاقطعوا ، فذهب إلى الأول سيبويه وقال تقديره فيما فرض عليكم أو فيما يتلى عليكم السارق والسارقة أي حكمهما ، وذهب المبرد والزجاج إلى الثاني ، ودخول الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط . والسرقة بكسر الراء اسم الشيء المسروق ، والمصدر هو السرق من سرق يسرق سرقا ، قاله الجوهري : وهو أخذ الشيء في خفية من الأعين ، ومنه استرق السمع وسارقه النظر ، والقطع معناه الإبانة والإزالة ، وقدم السارق هنا والزانية في آية الزنا لأن الرجال إلى السرقة أميل ، والنساء إلى الزنا أميل . أَيْدِيَهُما أي يمين كل منهما من الكوع ، وجمع الأيدي لكراهة الجمع بين التثنيتين ، وقيل لأنه أراد يمينا من هذا ويمينا من هذه ، فجمع فإنه ليس للإنسان إلا يمين واحدة وكل شيء موحّد من أعضاء الإنسان إذا ذكر مضافا إلى اثنين فصاعدا جمع ، والمراد باليد هنا اليمين قاله الحسن والشعبي والسدي ، وكذلك هو في قراءة ابن مسعود فاقطعوا أيمانهما ، وقيل الجارحة وحدّها عند جمهور أهل اللغة من رؤوس الأصابع إلى الكوع فيجب قطعها من الكوع . وقد بينت السنة المطهرة أن موضع القطع الرسغ ، قال قوم يقطع من المرافق ، وقال الخوارج من المنكب ، والسرقة لا بد أن تكون ربع دينار فصاعدا ولا بد أن تكون من حرز كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة ، وقد ذهب إلى اعتبار الحرز وربع الدينار الجمهور ، وذهب قوم إلى التقدير بعشرة دراهم ، وقال الحسن البصري : إذا جمع الثياب في البيت قطع . وقد أطال الكلام في بحث السرقة أئمة الفقه وشراح الحديث بما لا يأتي التطويل به هنا بكثير فائدة ، وأوضحت البحث في ذلك في شرحي لكتاب بلوغ المرام . جَزاءً بِما كَسَبا أي ذلك القطع جزاء على فعلهم نَكالًا مِنَ اللَّهِ أي عقوبة منه ، تقول نكلت به إذا فعلت به ما يجب أن ينكل به عن ذلك الفعل ، وعن قتادة قال : لا ترثوا لهم فيه فإنه أمر اللّه الذي أمر به ، قال وذكر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول : اشتدوا على الفساق واجعلوهم يدا يدا ورجلا رجلا . وَاللَّهُ عَزِيزٌ غالب في انتقامه ممن عصاه لا يعارض في حكمه حَكِيمٌ فيما أوجبه من قطع يد السارق .