صديق الحسيني القنوجي البخاري
259
فتح البيان في مقاصد القرآن
فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ السياق يفيد أن المراد بالظلم هنا السرقة أي فمن تاب من بعد سرقته وَأَصْلَحَ أمره ولكن اللفظ عام فيشمل السارق وغيره من المذنبين ، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ أي يغفر له ويتجاوز عنه ويقبل توبته إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لمن تاب رَحِيمٌ يرحمه . وقد استدل بهذا عطاء وجماعة على أن القطع يسقط بالتوبة ، وليس هذا الاستدلال بصحيح لأن هذه الجملة الشرطية لا تفيد إلا مجرد قبول التوبة وليس فيها ما يفيد أنه لا قطع على التائب ، وقد كان في زمن النبوة يأتي إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم من وجب عليه حد تائبا عن الذنب الذي ارتكبه طالبا لتطهيره بالحد فيحده النبي صلى اللّه عليه وسلم . وقد روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال للسارق بعد قطعه « تب إلى اللّه » ثم قال : تاب اللّه عليك أخرجه الدارقطني من حديث أبي هريرة . وأخرج أحمد وغيره أن هذه الآية نزلت في المرأة التي كانت تسرق المتاع لما قالت للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بعد قطعها : هل لي توبة ؟ وقد ورد في السنة المطهرة ما يدل على أن الحدود إذا رفعت إلى الأئمة وجبت وامتنع إسقاطها وإن عفا عنه قبل الرفع إلى الإمام سقط القطع ، وعليه الشافعي . أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ هذا الاستفهام للإنكار مع تقرير العلم وهو كالعنوان لقوله : يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ أي من كان له ملك السماوات والأرض فهو قادر على هذا التعذيب الموكول إلى المشيئة والمغفرة الموكولة إليها ، والخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم والمراد به جميع الناس ، وقيل الخطاب لكل فرد من الناس وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وإنما قدم التعذيب على المغفرة لأنه في مقابلة السرقة المقدمة على التوبة . وهذه الآية فاضحة للقدرية والمعتزلة في قولهم بوجوب الرحمة للمطيع والعذاب للعاصي ، لأن الآية دالة على أن التعذيب والرحمة مفوضان إلى المشيئة والوجوب ينافي ذلك وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لأن الخلق كلهم عبيده وفي ملكه . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 41 ] يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 41 ) يا أَيُّهَا الرَّسُولُ هذا خطاب تشريف وتكريم وتعظيم ، وقد خاطبه اللّه عز وجل بيا أيها النبي في مواضع من كتابه ، وبيا أيها الرسول في موضعين هذا أحدهما