صديق الحسيني القنوجي البخاري
223
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقد ذهب الجمهور إلى أن المرافق تغسل واستدلوا بما أخرجه الدارقطني والبيهقي عن جابر بن عبد اللّه قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه ، وفيه القاسم وهو متروك وجده عبد اللّه بن محمد وهو ضعيف ، والمرفق بالكسر هو من الإنسان أعلى الذراع وأسفل العضد . والفرض الثالث وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ قيل الباء زائدة والمعنى امسحوا رؤوسكم وذلك يقتضي تعميم المسح لجميع الرأس ، وقيل هي للتبعيض وذلك يقتضي أنه يجزئ مسح بعضه ، واستدل القائلون بالتعميم بقوله تعالى في التيمم : فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ [ النساء : 43 ] ولا يجزئ فيه مسح بعض الوجه اتفاقا ، وقيل إنها للإلصاق أي الصقوا أيديكم برؤوسكم وهو مذهب سيبويه وبه قال الزمخشري لكن في شرح المهذب عن جماعة من أهل العربية أن الباء إذا دخلت على متعدد كما في الآية تكون للتبعيض ، أو على غير متعدد كما في وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ [ الحج : 29 ] تكون للإلصاق . وعلى كل حال فقد ورد في السنة المطهرة ما يفيد أنه يكفي مسح بعض الرأس كما أوضحناه في مؤلفاتنا ، فكان هذا دليل على المطلوب ، غير محتمل كاحتمال الآية على فرض أنها محتملة . ولا شك أن من أمر غيره بأن يمسح رأسه كان ممتثلا بفعل ما يصدق عليه مسمى المسح ، وليس في لغة العرب ما يقتضي أنه لا بدا في مثل هذا الفعل من مسح جميع الرأس ، وهكذا سائر الأفعال المتعدية نحو اضرب زيدا أو اطعنه أو ارجمه فإنه يوجد المعنى العربي بوقوع الضرب والطعن والرجم على عضو من أعضائه . ولا يقول قائل من أهل اللغة أو من هو عالم بها : إنه لا يكون ضاربا إلا بإيقاع الضرب على كل جزء من أجزاء زيد ، وكذلك الطعن والرجم وسائر الأفعال فاعرف هذا حتى يتبين لك ما هو الصواب من الأقوال في مسح الرأس . فإن قلت يلزم مثل هذا في غسل الوجه واليدين والرجلين قلت ملتزم لولا البيان من السنة في الوجه والتحديد بالغاية في اليدين والرجلين بخلاف الرأس فإنه ورد في السنة مسح الكل ومسح البعض . والفرض الرابع قوله : وَأَرْجُلَكُمْ قرأ نافع وابن عامر والكسائي وحفص بنصب الأرجل وهي قراءة الحسن البصري والأعمش ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة بالجر ، وقراءة النصب تدل على أنه يجب غسل الرجلين لأنها معطوفة على الوجه ، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم والأئمة الأربعة وأصحابهم ، وقراءة الجر تدل على أنه يجوز الاقتصار على مسح الرجلين لأنها معطوفة على الرأس ، وإليه ذهب ابن جرير الطبري وبه تعلق وهو مروي عن ابن عباس .