صديق الحسيني القنوجي البخاري

217

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقال بعض أهل العلم إن المراد التسمية عند الأكل ، قال القرطبي : وهو الأظهر ، واستدلوا بالأحاديث التي فيها الإرشاد إلى التسمية وهذا خطأ فإن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قد وقّت التسمية بإرسال الكلب وإرسال السهم ، ومشروعية التسمية عند الأكل حكم آخر ومسألة غير هذه المسألة ، فلا وجه لحمل ما ورد في الكتاب والسنة هنا على ما ورد في التسمية عند الأكل ، ولا ملجىء إلى ذلك . وفي لفظ في الصحيحين من حديث عدي : « إن أرسلت كلبك وسميت فأخذ فكل » « 1 » ، وقد ذهب جماعة إلى أن التسمية شرط ، وذهب آخرون إلى أنها سنة فقط ، وذهب جماعة إلى أنها شرط على الذاكر لا الناسي ، وهذا أقوى الأقوال وأرجحها وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما أحل لكم وحرم عليكم واحذروا مخالفة أمره في هذا كله إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ أي حسابه سبحانه سريع إتيانه وكل آت قريب ، وفيه تخويف لمن خالف أمره وفعل ما نهى عنه . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 5 ] الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 5 ) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ هذه الجملة مؤكدة للجملة الأولى وهي قوله : أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وقد تقدم بيان الطيبات ، ويحتمل أن يراد باليوم اليوم الذي أنزلت فيه أو اليوم الذي تقدم ذكره في قوله : الْيَوْمَ يَئِسَ ، و الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ وقيل ليس المراد باليوم يوما معينا . وقال أبو السعود : المراد بالأيام الثلاثة وقت واحد ، وإنما كرر للتأكيد ولاختلاف الأحداث الواقعة فيه حسن تكريره ، وقال القرطبي : أعاد ذكر اليوم تأكيدا ، وقيل أشار بذكر اليوم إلى وقت محمد ، كما تقول هذه أيام فلان أي هذا أوان ظهوركم انتهى ، وفيه بعد . وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ بخلاف الذين تمسكوا بغير التوراة والإنجيل كصحف إبراهيم فلا تحل ذبائحهم ، والحاصل أن حل الذبيحة تابع لحل المناكحة على التفصيل المقرر في الفروع ، والطعام اسم لما يؤكل ومنه الذبائح وذهب أكثر أهل العلم إلى تخصيصه هنا بالذبائح ، ورجحه الخازن . وفي هذه الآية دليل على أن جميع طعام أهل الكتاب من غير فرق بين اللحم وغيره حلال للمسلمين وإن كانوا لا يذكرون اسم اللّه على ذبائحهم ، وتكون هذه الآية

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الذبائح باب 8 ، 9 ، ومسلم في الصيد حديث 2 ، 3 .