صديق الحسيني القنوجي البخاري

218

فتح البيان في مقاصد القرآن

مخصصة لعموم قوله : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [ الأنعام : 121 ] وظاهر هذا أن ذبائح أهل الكتاب حلال وإن ذكر اليهودي على ذبيحته اسم عزير ، وذكر النصراني على ذبيحته اسم المسيح ، وإليه ذهب أبو الدرداء وعبادة ابن الصامت وابن عباس والزهري وربيعة والشعبي ومكحول . وقال علي وعائشة وابن عمر : إذا سمعت الكتابي يسمي غير اللّه فلا تأكل ، وهو قول طاوس والحسن وتمسكوا بقوله تعالى : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ويدل عليه أيضا قوله : وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ . وقال مالك : إنه يكره ولا يحرم ، وسئل الشعبي وعطاء عنه فقالا يحل فإن اللّه قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون . فهذا الخلاف إذا علمنا أن أهل الكتاب ذكروا على ذبائحهم اسم غير اللّه ، وأما مع عدم العلم فقد حكى الطبري وابن كثير الإجماع على حلها لهذه الآية ، ولما ورد في السنة من أكله صلى اللّه عليه وآله وسلم من الشاة المصلية التي أهدتها إليه اليهودية وهو في الصحيح ، وكذلك جراب الشحم الذي أخذه بعض الصحابة من خيبر وعلم بذلك النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وهو في الصحيح أيضا وغير ذلك . والمراد بأهل الكتاب هنا اليهود والنصارى ، وقيل ومن دخل في دينهم من سائر الأمم قبل مبعث النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ، فأما من دخل بعده وهم متنصّرو العرب من بني تغلب فلا تحل ذبيحتهم ، وبه قال علي وابن مسعود ومذهب الشافعي أن من دخل في دين أهل الكتاب بعد نزول القرآن فإنه لا تحل ذبيحته . وسئل ابن عباس عن ذبائح نصارى العرب فقال لا بأس بها ثم قرأ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [ المائدة : 51 ] وبه قال الحسن وعطاء بن أبي رباح والشعبي وعكرمة وهو مذهب أبي حنيفة . وأما المجوس فذهب الجمهور إلى أنها لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم لأنهم ليسوا بأهل كتاب على المشهور عند أهل العلم ، وكذا سائر أهل الشرك من مشركي العرب وعبدة الأصنام ومن لا كتاب له ، وخالف ذلك أبو ثور وأنكر عليه الفقهاء ذلك حتى قال أحمد : أبو ثور كاسمه في هذه المسألة . وكأنه تمسك بما يروى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم مرسلا أنه قال في المجوس « سنّوا بهم سنة أهل الكتاب » « 1 » ولم يثبت بهذا اللفظ ، وعلى فرض أن له أصلا ففيه زيادة تدفع ما قاله وهي قوله « غير آكلي ذبائحهم ولا ناكحي نسائهم » وقد رواه بهذه الزيادة جماعة ممن

--> ( 1 ) أخرجه مالك في الزكاة حديث 42 .