صديق الحسيني القنوجي البخاري

212

فتح البيان في مقاصد القرآن

والكلام في ذلك يطول ويستدعي استغراق الأوراق الكثيرة وهو مبسوط في مواطنه ، وفيما ذكرناه مقنع وبلاغ وباللّه التوفيق . وفي الآية دلالة على بطلان القياس ، وعلى أنه تعالى قد نص على الحكم في جميع الوقائع إذ لو بقي بعضها غير مبيّن الحكم لم يكن الدين كاملا ، وإذا حصل النص في جميع الوقائع فالقياس إن كان على وفق النص كان عبثا ، وإن كان على خلافه كان باطلا ، وقد أجاب مثبتو القياس عن هذا بما لا يكفي في الجواب واللّه أعلم بالصواب . وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي بإكمال الدين المشتمل على الأحكام وبفتح مكة وقهر الكفار وإياسهم عن الظهور عليكم كما وعدتكم بقولي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ [ البقرة : 150 ] وقال ابن عباس : حكم لهم بدخول الجنة . وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً أي أخبرتكم برضائي به لكم ، فالجملة مستأنفة لا معطوفة على أَكْمَلْتُ وإلا كان مفهوم ذلك أنه لم يرض لهم الإسلام دينا قبل ذلك ، وليس كذلك فإنه سبحانه لم يزل راضيا لأمة نبيه صلى اللّه عليه وسلم بالإسلام ، فلا يكون لاختصاص الرضا بهذا اليوم كثير فائدة إن حملناه على ظاهره . ويحتمل أن يريد رضيت لكم الإسلام الذي أنتم عليه اليوم دينا باقيا إلى انقضاء أيام الدنيا ، ودينا منتصب على التمييز ، ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا ، قال ابن عباس : أخبر اللّه نبيه والمؤمنين أنه أكمل لهم الإيمان فلا يحتاجون إلى زيادة أبدا ، وقد أتمه فلا ينقص أبدا ، وقد رضيه فلا يسخطه أبدا . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن طارق بن شهاب قال : قالت اليهود لعمر إنكم تقرؤن آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا ، قال وأي آية قالوا : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ قال عمر : واللّه إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والساعة التي نزلت فيها نزلت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عشية عرفة في يوم الجمعة « 1 » ، أشار عمر إلى أن ذلك اليوم يوم عيد لنا . قال ابن عباس : فمكث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد نزول هذه الآية أحدا وثمانين يوما ثم قبضه اللّه إليه ، أخرجه البيهقي ومات صلى اللّه عليه وسلم يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول ، وقيل لاثنتي عشرة ليلة وهو الأصح سنة إحدى عشرة من الهجرة . قال ابن عباس : كان في ذلك اليوم خمسة أعياد يوم الجمعة ويوم عرفة وعيد

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الإيمان باب 33 ، والآحاد في الترجمة ، والمغازي باب 77 ، وتفسير سورة 5 ، باب 2 ، ومسلم في التفسير حديث 2 ، 3 ، 4 ، والترمذي في تفسير سورة 5 ، باب 1 ، 2 ، والنسائي في الإيمان باب 18 ، والمناسك باب 194 ، وأحمد في المسند 1 / 28 ، 39 .