صديق الحسيني القنوجي البخاري

213

فتح البيان في مقاصد القرآن

لليهود وعيد للنصارى وعيد للمجوس ، ولم تجتمع أعياد لأهل الملل في يوم واحد قبله ولا بعده . فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ هذا متصل بذكر المحرمات ، وما بينهما اعتراض أي من دعته الضرورة في مخمصة أي مجاعة إلى أكل الميتة وما بعدها من المحرمات ، والخمص ضمور البطن ، ورجل خميص وخمصان ، وامرأة خميصة ومنه أخمص القدم لدقتها وهي صفة محمودة في النساء ، ويستعمل كثيرا في الجوع ، ووقعت هذه الآية هنا وفي البقرة والأنعام والنحل ولم يذكر جواب الشرط إلا في البقرة فيقدر في غيرها وهو فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ . غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ الجنف الميل والإثم الحرام ، أي حال كون المضطر في مخمصة غير مائل لإثم وهو بمعنى غير باغ ولا عاد وكل مائل فهو متجانف وجنف ، وقرىء متجنّف وهو أن يأكل فوق الشبع وهو قول فقهاء العراق ، قال ابن عطية : وهو أبلغ من متجانف ، وقيل المعنى غير متعرض لمعصية في مخمصة وهو قول فقهاء الحجاز ، وقال ابن عباس : غير متعمّد لإثم . فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ له رَحِيمٌ به لا يؤاخذه بما ألجأته إليه الضرورة في الجوع مع عدم ميله بأكل ما حرم عليه إلى الإثم بأن يكون باغيا على غيره أو متعديا لما دعت إليه الضرورة حسبما تقدم . وهذه الآية من تمام ما تقدم ذكره في المطاعم التي حرمها اللّه تعالى ومتصلة بها ، ومن قوله : ذلِكُمْ فِسْقٌ إلى هنا اعتراض وقع بين الكلامين ، والغرض منه تأكيد ما تقدم ذكره في معنى التحريم لأن تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 4 ] يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 4 ) يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ هذا شروع في بيان ما أحل اللّه لهم من الطعام بعد بيان ما حرمه اللّه عليهم ، والمعنى أي شيء أحل لهم أو ما الذي أحل لهم من المطاعم إجمالا ومن الصيد ومن طعام أهل الكتاب ومن نسائهم . قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وهي ما يستلذ أكله ويستطيبه أصحاب الطباع السليمة مما أحله اللّه لعباده أو مما لم يرد نص بتحريمه من كتاب أو سنة أو إجماع عند من يقول بحجيته ولا قياس كذلك ، وقيل هي الحلال وقد سبق الكلام في هذا ، وقيل الطيبات الذبائح أي ما ذبح على اسم اللّه عز وجل لأنها طابت بالتذكية وهو تخصيص للعام بغير مخصص ، والسبب والسياق لا يصلحان لذلك .