صديق الحسيني القنوجي البخاري

198

فتح البيان في مقاصد القرآن

أَوْفُوا يقال أوفى ووفى لغتان ، والوفاء القيام بموجب العقد ، وكذا الإيفاء بِالْعُقُودِ العهود وأصلها الرّبوط واحدها عقد ، يقال عقدت الحبل والعهد فهو يستعمل في الأجسام والمعاني ، وإذا استعمل في المعاني كما هنا أفاد أنه شديد الإحكام قوي التوثيق . قيل المراد بالعقود هي التي عقدها اللّه على عباده وألزمهم بها من الأحكام ، وقيل هي العقود التي يعقدونها بينهم من عقود المعاملات والأمانات ونحوها ، والأولى شمول الآية للأمرين جميعا ، ولا وجه لتخصيص بعضها دون بعض ، قال الزجاج : المعنى أوفوا بعقد اللّه عليكم وبعقدكم بعضكم على بعض انتهى . والعقد الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب اللّه وسنة رسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم ، فإن خالفهما فهو رد لا يجب الوفاء به ولا يحل ، قال ابن عباس : أوفوا بالعقود أي ما أحل اللّه وما حرم وما فرض وما حد في القرآن كله ، لا تغدروا ولا تنكثوا . وعن قتادة قال : هي عقود الجاهلية الحلف ، وعنه قال ذكر لنا أن نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول : أوفوا بعقد الجاهلية ، ولا تحدثوا عقدا في الإسلام ، وقال ابن جريج الخطاب لأهل الكتاب : أي العقود التي عهدتها إليكم في شأن محمد صلى اللّه عليه وسلم والإيمان به ، وما أبعده . وقيل هو خطاب للمؤمنين وهذا هو الظاهر ، والعقود خمس : عقد اليمين وعقد النكاح وعقد العهد وعقد البيع وعقد الشركة ، وزاد بعضهم وعقد الحلف ، قال القرطبي : وأولى الأقوال ما قاله ابن عباس : وقد تقدم لأن اللّه تعالى أتبعه بالبيان عما أحل لعباده وحرم عليهم فقال : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ الخطاب للذين آمنوا خاصة ، والبهيمة اسم لكل ذي أربع من الحيوان لكن خص في التعارف بما عدا السباع والضواري من الوحوش ، وإنما سميت بذلك لإبهامها من جهة نقص نطقها وفهمها وعقلها ، ومنه باب مبهم أي مغلق ، وليل بهيم ، وبهيمة للشجاع الذي لا يدري من أين يؤتى وحلقة مبهمة لا يدري أين طرفاها ، قال الزجاج : كل حي لا يميز فهو بهيمة . والأنعام اسم للإبل والبقر والغنم سميت بذلك لما في مشيها من اللين ، وقيل بهيمة الأنعام وحشيّها كالظباء وبقر الوحش والحمر الوحشية وغير ذلك قاله الكلبي ، وحكاه ابن جرير والطبري عن قوم ، وحكاه غيره عن السدي والربيع وقتادة والضحاك . قال ابن عطية وهذا قول حسن : وذلك أن الأنعام هي الثمانية الأزواج وما انضاف إليها من سائر الحيوانات يقال له أنعام مجموعة معها ، وكأن المفترس كالأسد