صديق الحسيني القنوجي البخاري

178

فتح البيان في مقاصد القرآن

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 157 ] وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً ( 157 ) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هو من جملة جناياتهم ، وذنوبهم لأنهم كذبوا بأنهم قتلوه وافتخروا بقتله ، قال أبو حيان : لم نعلم كيفية القتل ولا من ألقي عليه الشّبه ولم يصح بذلك حديث . رَسُولَ اللَّهِ ذكروه بالرسالة استهزاء لأنهم ينكرونها ولا يعترفون بأنه نبي ، أو هذا من كلامه تعالى لمدحه وتنزيهه عن مغالاتهم فيه ، وما ادعوه من أنهم قتلوه قد اشتمل على بيان صفته وإيضاح حقيقته الإنجيل وما فيه هو من تحريف النصارى أبعدهم اللّه فقد كذبوا وصدق اللّه القائل في كتابه العزيز : وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ جملة حالية وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ أي ألقي شبه عيسى على غيره حتى قتل وصلب وقيل لم يكونوا يعرفون شخصه وقتلوا الذي قتلوه وهم شاكون فيه . أخرج سعيد بن منصور والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال : لما أراد اللّه أن يرفع عيسى إلى السماء خرج إلى أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلا من الحواريين فخرج عليهم من عين في النبت ورأسه يقطر ماء فقال : إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي ، ثم قال : أيّكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي فقام شاب من أحدثهم سنّا فقال له : اجلس ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال : اجلس ، ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال : أنا فقال : أنت ذاك فألقي عليه شبه عيسى ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء . قال : وجاء الطلب من يهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه فكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به . وافترقوا ثلاث فرق فقالت طائفة كان اللّه فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء فهؤلاء اليعقوبية ، وقالت فرقة : كان فينا ابن اللّه ما شاء ثم رفعه اللّه إليه وهؤلاء النسطورية ، وقالت فرقة : كان فينا عبد اللّه ورسوله وهؤلاء المسلمون ، فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث اللّه محمدا صلى اللّه عليه وآله وسلم فأنزل اللّه عليه فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ يعني الطائفة التي آمنت في زمن عيسى وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ يعني التي كفرت في زمن عيسى فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا في زمن عيسى بإظهار محمد دينهم على دين الكافرين . قال ابن كثير بعد أن ساقه بهذا اللفظ عند ابن أبي حاتم قال حدثنا أحمد بن سنان حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فذكره ، وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس .