صديق الحسيني القنوجي البخاري

179

فتح البيان في مقاصد القرآن

وصدق ابن كثير فهؤلاء كلهم من رجال الصحيح ، وأخرجه النسائي من حديث أبي كريب عن أبي معاوية بنحوه ، وقد رويت قصته عليه السلام من طرق بألفاظ مختلفة ، وساقها عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر على صفة قريبة مما في الإنجيل . وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ أي في شأن عيسى وهم النصارى فقال بعضهم قتلناه ، وقال من عاين رفعه إلى السماء ما قتلناه . وقيل إن الاختلاف بينهم هو أن النسطورية من النصارى قالوا : صلب عيسى من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته ، وقالت الملكانية وقع القتل والصلب على المسيح بكمال ناسوته ولاهوته ، ولهم من جنس هذا الاختلاف كلام طويل لا أصل له ولهذا قال اللّه وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ أي في تردد من قتله لا يخرج إلى حيّز الصحة ولا إلى حيز البطلان في اعتقادهم ، بل هم مترددون مرتابون في شكهم يعمهون وفي جهلهم يتحيرون . ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ من زائدة لتوكيد نفي العلم إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ الاستثناء منقطع وهو الصحيح الذي لم يذكر الجمهور غيره ، وهي لغة الحجاز أي لكنهم يتبعون الظن في قتله ولم يعرفوا حقيقة ذلك المقتول هل هو عيسى أو غيره ، لأن الظن واتباعه ليس من جنس العلم الذي هو اليقين ، إذ الظن الطرف الراجح ، وقيل استثناء مما قبله والأول أولى . قال أبو البقاء إنه متصل لأن العلم والظن يجمعهما مطلق الإدراك انتهى ، لا يقال إن اتباع الظن ينافي الشك الذي أخبر اللّه عنهم بأنهم فيه لأن المراد هنا بالشك التردد كما قدمنا ، والظن نوع منه ، وليس المراد به هنا ترجح أحد الجانبين . وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً أي قتلا يقينا ، وهذا على أن الضمير في قتلوه لعيسى ، وقيل : إنه يعود إلى الظن ، قاله ابن عباس : والمعنى ما قتلوا ظنهم يقينا ، قال أبو عبيدة : ولو كان المعنى وما قتلوا عيسى يقينا لقال وما قتلوه فقط ، وقيل إن المعنى وما قتلوا الذي شبه لهم ، وقيل المعنى بل رفعه اللّه إليه يقينا ، وهو خطأ لأنه لا يعمل ما بعد بل فيما قبلها . وذكر السمين فيه خمسة أوجه ولا وجه لهذه الأقوال ، والضمائر قبل قتلوه وبعده لعيسى ، وذكر اليقين هنا لقصد التهكم بهم لإشعاره بعلمهم في الجملة . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 158 إلى 159 ] بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ( 158 ) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ( 159 ) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ أي إلى موضع لا يجزي فيه حكم غير اللّه كما في الفخر ، وهذا الموضع هو السماء الثالثة كما في حديث الجامع الصغير ، وفي بعض المعاريج