صديق الحسيني القنوجي البخاري

166

فتح البيان في مقاصد القرآن

بابتغاء العزة عند الكافرين ، وجميع أنواع العزة وأفرادها مختص باللّه سبحانه في الدنيا والآخرة ، ولا ينالها إلا أولياؤه الذين كتب لهم العزة ، وما كان منها مع غيره فهو من فضله وتفضله كما في قول : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [ المنافقون : 8 ] . وهذا يقتضي بطلان التعزّز بغيره سبحانه واستحالة الانتفاع به ، وعزة الكفار ليس معتدّا بها بالنسبة إلى عزة المؤمنين لأنه لا يعز إلا من أعزه اللّه ، والعزة الغلبة يقال عزه يعزه عزا إذا غلبه . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 140 ] وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً ( 140 ) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ الخطاب لجميع من أظهر الإيمان من مؤمن ومنافق لأن من أظهر الإيمان فقد لزمه أن يمتثل ما أنزل اللّه ، وقيل : إنه خطاب للمنافقين فقط كما يفيده التشديد والتوبيخ ، والكتاب هو القرآن والذي أنزله اللّه عليهم في الكتاب هو قوله تعالى : وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [ الأنعام : 68 ] وهذا نزل بمكة لأنه قد كان جماعة من الداخلين في الإسلام يقعدون مع المشركين واليهود حال سخريتهم بالقرآن واستهزائهم به فنهوا عن ذلك . ثمّ إن أحبار اليهود بالمدينة كانوا يفعلون مثل فعل المشركين ، وكان المنافقون يجلسون إليهم ويخوضون معهم في الاستهزاء بالقرآن فنهى اللّه المؤمنين عن القعود معهم بقوله : أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها أي إذا سمعتم الكفر والاستهزاء بآيات اللّه ، فأوقع السماع على الآيات ، والمراد سماع الكفر والاستهزاء . فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ ما داموا كذلك حَتَّى غاية للنهي يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ أي حديث الكفر والاستهزاء . وفي هذه الآية باعتبار عموم لفظها الذي هو المعتبر دون خصوص السبب دليل على اجتناب كل موقف يخوض فيه أهله بما يفيد التنقص والاستهزاء للأدلة الشرعية ، كما يقع كثيرا من أسراء التقليد الذين استبدلوا آراء الرجال بالكتاب والسنة ، ولم يبق في أيديهم سوى قال إمام مذهبنا كذا ، وقال فلان من أتباعه بكذا ، وإذا سمعوا من يستدل على تلك المسألة بآية قرآنية أو بحديث نبوي سخروا منه ولم يرفعوا إلى ما قاله رأسا ، ولا بالوا به بالة وظنوا أنه قد جاء بأمر فظيع وخطب شنيع ، وخالف مذهب إمامهم الذي نزلوه منزلة معلم الشرائع . بل بالغوا في ذلك حتى جعلوا رأيه القائل ، واجتهاده الذي هو عن منهج الحق