صديق الحسيني القنوجي البخاري
165
فتح البيان في مقاصد القرآن
الأصفهاني وغيره ، وهذا الاضطراب منهم تارة يدّعون أنهم مؤمنون ، وتارة يمرقون من الإيمان ويرجعون إلى ما هو دأبهم وشأنهم من الكفر المستمر والجحود الدائم ، يدل أبلغ دلالة على أنهم متلاعبون بالدين ليست لهم نية صحيحة ولا قصد خالص . قيل المراد بهؤلاء اليهود ، فإنهم آمنوا بموسى والتوراة ثم كفروا بعبادتهم العجل ثم آمنوا به عند عوده إليهم ، ثم كفروا بعيسى والإنجيل ثم ازدادوا كفرا بكفرهم بمحمد صلى اللّه عليه وآله وسلم والقرآن ، والمراد بازدياد الكفر أنهم استمروا على ذلك كما هو الظاهر من حالهم ، وإلا فالكافر إذا آمن وأخلص إيمانه وأقلع عن الكفر فقد هداه اللّه السبيل الموجب للمغفرة ، والإسلام يجب ما قبله ، ولكن لما كان هذا مستبعدا منهم جدا كان غفران ذنوبهم وهدايتهم إلى سبيل الحق مستبعدا . وعن قتادة قال : هم اليهود والنصارى آمنت اليهود بالتوراة ثم كفرت وآمنت النصارى بالإنجيل ثم كفرت ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ، وعن ابن زيد قال : هؤلاء المنافقون آمنوا مرتين ثم كفروا مرتين ثم ازدادوا كفرا بعد ذلك بموتهم على الكفر ، وذلك لأن من تكرر منه الإيمان والكفر بعد الإيمان مرات كثيرة دل على أنه لا وقع للإيمان في قلبه ، ومن كان كذلك لا يكون مؤمنا باللّه إيمانا كاملا صحيحا وازديادهم الكفر هو استهزاؤهم وتلاعبهم بالإيمان . قال علي : لا تقبل توبته أي توبة مثل هذا المتلاعب ، وذهب أكثر أهل العلم إلى أن توبته مقبولة ، وظاهر القرآن مع علي . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 138 إلى 139 ] بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 138 ) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ( 139 ) بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً مؤلما هو عذاب النار ، إطلاق البشارة على ما هو شر خالص لهم ، تهكّم بهم ، وقد مر تحقيقه ، وقيل البشارة كل خبر تتغير به بشرة الوجه سارا كان ذلك الخبر أو غير سار ، والأول أولى وقيل المعنى : اجعل موضع بشارتك لهم العذاب لأن العرب تقول تحيتك الضرب أي هذا بدل من تحيتك . الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ وصف للمنافقين أو منصوب على الذم أي يجعلون الكفار أولياء لهم يوالونهم على كفرهم ويمالؤونهم على ضلالهم مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ حال من فاعل يتخذون أي يتخذون الكفرة متجاوزين ولاية المؤمنين لما يتوهمون فيهم من القوة ، ولقولهم إن ملك محمد سيزول . أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ هذا الاستفهام للتقريع والتوبيخ ، والجملة معترضة أي لا يجدونها عندهم فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هذه الجملة تعليل لما تقدم من توبيخهم