صديق الحسيني القنوجي البخاري

145

فتح البيان في مقاصد القرآن

للمذنبين من أمتك والمخاصمين بالباطل والأول أرجح إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً . وقد تمسك بهذه الآية من يرى جواز صدور الذنب من الأنبياء وقالوا لو لم يقع منه صلى اللّه عليه وسلم ذنب لما أمر بالاستغفار ، والجواب عنه بوجوه ذكرها الخازن في تفسيره . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 107 إلى 108 ] وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً ( 107 ) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ( 108 ) وَلا تُجادِلْ أي لا تحاجج عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أي يخونون أَنْفُسَهُمْ بالمعاصي ، والمجادلة مأخوذ من الجدل وهو الفتل ، وقيل مأخوذ من الجدالة وهي وجه الأرض لأن كل واحد من الخصمين يريد أن يلقى صاحبه عليها ، وسمى ذلك خيانة لأنفسهم لأن ضرر معصيتهم راجع إليهم إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ عدم المحبة كناية عن البغض ، وإنما قال مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً . يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ أي يستترون منه كقوله : وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ [ الرعد : 10 ] أي مستتر قيل معناه يستحيون من الناس وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ أي لا يستترون ولا يستحيون منه وَهُوَ أي والحال أنه مَعَهُمْ بالعلم والقدرة في جميع أحوالهم ، عالم بما فيه فكيف يستخفون منه ، وكفى بذلك زجرا للإنسان عن ارتكاب الذنوب . وكفى بهذه الآية على ما هم من قلة الحياء والخشية من ربهم مع علمهم أنهم في حضرته لا سترة ولا غيبة إِذْ يُبَيِّتُونَ أي يدبرون الرأي بينهم ، وسماه تبييتا لأن الغالب أن تكون إدارة الرأي بالليل ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ أي من الرأي الذي أداروه بينهم وسماه قولا لأنه لا يحصل إلا بعد المقاولة بينهم وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً عالما علم إحاطة لا يخفى عليه شيء من أسرار عباده وهو مطلع عليهم ، لا تخفى عليه خافية . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 109 إلى 110 ] ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ( 109 ) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً ( 110 ) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ يعني القوم الذين جادلوا عن صاحبهم السارق ، قال الزجاج : أولاء بمعنى الذين ، والخطاب هنا على طريق الالتفات للإيذان بأنّ تعديد جناياتهم يوجب مشافهتهم بالتوبيخ والتقريع جادَلْتُمْ أي خاصمتم عَنْهُمْ وحاججتم ، وأصل الجدال شدة الفتل لأن كل واحد من الخصمين يريد أن يفتل صاحبه عما هو عليه .