صديق الحسيني القنوجي البخاري
146
فتح البيان في مقاصد القرآن
فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ الاستفهام للإنكار والتوبيخ أي فمن يخاصم ويجادل اللّه عنهم عند تعذيبهم بذنوبهم أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا أي مجادلا ومخاصما ، الوكيل في الأصل القائم بتدبير الأمور ، والمعنى من ذاك يقوم بأمرهم إذا أخذهم اللّه بعذابه ، ومن يكون محاميا عنهم من بأس اللّه إذا نزل بهم . وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً هذا من تمام القصة السابقة والمراد بالسوء القبيح الذي يسوء به غيره أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ بفعل معصية من المعاصي أو ذنب من الذنوب التي لا تتعدى إلى غيره ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يطلب منه أن يغفر له ما قارفه من الذنب يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً لذنبه رَحِيماً به وفيه ترغيب لمن وقع منه السرق من بني أبيرق أن يتوب إلى اللّه ويستغفره وأنه غفور لمن يستغفره رحيم به . وقال الضحاك : إن هذه الآية نزلت في شأن وحشي قاتل حمزة أشرك باللّه وقتل حمزة ثم جاء إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم وقال هل لي من توبة فنزلت ، وعلى كل حال فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فهي لكل عبد من عباد اللّه أذنب ذنبا ثم استغفر اللّه سبحانه . وعن ابن عباس قال : أخبر اللّه عباده بحلمه وعفوه وكرمه وسعة رحمته ومغفرته فمن أذنب ذنبا صغيرا كان أو كبيرا ثم استغفر اللّه يجد اللّه غفورا رحيما ولو كانت ذنوبه أعظم من السماوات والأرض والجبال ، وعن ابن مسعود من قرأ هاتين الآيتين من سورة النساء ثم استغفر اللّه غفر له وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً الآية وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [ النساء : 64 ] الآية . وقد ورد في قبول الاستغفار وأنه يمحو الذنب أحاديث كثيرة مدونة في كتب السنة ، وفي هذه الآية دليل على حكمين . أحدهما : أن التوبة مقبولة عن جميع الذنوب الكبائر والصغائر . والثاني : أن مجرد الاستغفار كاف كما هو ظاهر الآية وقيل : إنه مقيد بالتوبة . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 111 إلى 112 ] وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 111 ) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً ( 112 ) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً من الآثام بذنب يذنبه وهو إجمال بعد تفصيل فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ أي فعاقبته عائدة عليه ولا يضر غيره ، والكسب ما يجر به الإنسان إلى نفسه نفعا أو يدفع ضررا ، ولهذا لا يسمى فعل الرب كسبا ، قاله القرطبي وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بما في قلب عبده عند إقدامه على التوبة حَكِيماً لا يعاقب بالذنب غير فاعله ويتجاوز عن التائب ويغفر له ويقبل توبته . وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً قيل هما بمعنى واحد كرر للتأكيد ، وقال الطبري إن الخطيئة تكون عن عمد وعن غير عمد ، والإثم لا يكون إلا عن عمد ، وقيل