صديق الحسيني القنوجي البخاري
140
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقد حكى القرطبي عن ابن عباس معنى ما ذكره الجرجاني ومن معه ، ومما يرد هذا ويدفعه الواو في قوله الآتي وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ وقد تكلف بعض المفسرين فقال : إن الواو زائدة وأن الجواب للشرط المذكور أعني قوله : إِنْ خِفْتُمْ هو قوله : فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ . وذهب قوم إلى أن الخوف منسوخ بالسنة وهي حديث عمر الذي قدمنا ذكره وما ورد في معناه ، وعن أمية أنه سأل ابن عمر أرأيت قصر الصلاة في السفر ، إنا لا نجدها في كتاب اللّه إنما نجد ذكر صلاة الخوف ، فقال : يا ابن أخي إن اللّه أرسل محمدا ولا نعلم شيئا ، فإنما نفعل كما رأينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يفعل ، وقصر الصلاة في السفر سنة سنها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 1 » أخرجه النسائي وابن ماجة وابن حبان والبيهقي . وعن حارثة أن وهب الخزاعي قال : صليت مع النبي صلى اللّه عليه وسلم الظهر والعصر بمنى أكثر ما كان الناس وآمنه ركعتين « 2 » ، أخرجه الشيخان وغيرهما ، وعن ابن عباس قال : صلينا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بين مكة والمدينة ونحن آمنون لا نخاف شيئا ركعتين « 3 » ، أخرجه الترمذي وصححه والنسائي . وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ [ النساء : 102 ] هذا خطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم ولمن بعده من أهل الأمر حكمه كما هو معروف في الأصول ، ومثله قوله تعالى : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً [ التوبة : 103 ] ونحوه ، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء . وشذ أبو يوسف وإسماعيل بن علية فقالا : لا تصلّى صلاة الخوف بعد النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لأن هذا الخطاب خاص برسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قالا : ولا يلحق غيره به لما له صلى اللّه عليه وآله وسلم من المزية العظمى . وهذا مدفوع فقد أمرنا اللّه باتباع رسوله والتأسّي به وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « صلّوا كما رأيتموني أصلي » « 4 » ، والصحابة أعرف بمعاني القرآن وقد صلّوها بعد موته في غير مرة كما ذلك معروف . والمعنى إذا كنت يا محمد في أصحابك وشهدت معهم القتال وأردت إقامة
--> ( 1 ) أخرجه النسائي في قيام الليل باب 27 . ( 2 ) أخرجه البخاري في التقصير باب 2 ، وأبو داود في المناسك باب 75 . ( 3 ) أخرجه الترمذي في الصلاة باب 110 ، والنسائي في التقصير باب 1 . ( 4 ) أخرجه البخاري في الأذان باب 18 ، والأدب باب 27 ، والآحاد باب 1 ، والدارمي في الصلاة باب 42 ، وأحمد في المسند 5 / 53 .