صديق الحسيني القنوجي البخاري
13
فتح البيان في مقاصد القرآن
مجرد ما يصدر منها من الألفاظ التي لا يتحقق معها طيبة النفس ، فإذا ظهر منها ما يدل على عدم طيبة النفس نفسها لم يحل للزوج ولا للولي وإن كانت قد تلفظت بالهبة أو النذر أو نحوهما . وما أقوى دلالة هذه الآية على عدم اعتبار ما يصدر من النساء من الالفاظ المفيدة للتمليك بمجردها لنقصان عقولهن وضعف إدراكهن وسرعة انخداعهن وانجذابهن إلى ما يراد منهن بأيسر ترغيب أو ترهيب . فَكُلُوهُ أي فخذوا ذلك الشيء الذي طابت به نفوسهن وتصرفوا فيه بأنواع التصرفات وخص الأكل لأنه معظم ما يراد بالمال وإن كان سائر الانتفاعات به جائز كالأكل هَنِيئاً مَرِيئاً يقال هناه الطعام والشراب يهنيه ومراه وأمراه من الهنا والمرا ، والفعل هنا ومرأ أي أتى من غير مشقة ولا غيظ ، وقيل هو الطيب الذي لا تنغيص فيه وقيل المحمود العاقبة الطيب الهضم ؛ وقيل ما لا إثم فيه ؛ والمقصود هنا أنه حلال لهم خالص عن الشوائب . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 5 ] وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً ( 5 ) وَلا تُؤْتُوا أيها الأولياء السُّفَهاءَ المبذرين من الرجال والنساء والصبيان أَمْوالَكُمُ [ البقرة : 188 ] هذا رجوع إلى بقية الأحكام المتعلقة بأموال اليتامى وقد تقدم الامر بدفع أموالهم إليهم في قوله وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ [ النساء : 2 ] فبيّن سبحانه ههنا أن السفيه وغير البالغ لا يجوز دفع ماله إليه ؛ وقد تقدم في البقرة معنى السفيه لغة . واختلف أهل العلم في هؤلاء السفهاء من هم فقال سعيد بن جبير : هم اليتامى لا تؤتوهم أموالهم ، قال النحاس : وهذا من أحسن ما قيل في الآية ، وقال مالك : هم الأولاد الصغار لا تعطوهم أموالكم فيفسدوها ويبقوا بلا شيء . وقال مجاهد : هم النساء قال النحاس وغيره هذا القول لا يصح إنما تقول العرب سفايه أو سفيهات . واختلفوا في وجه إضافة الأموال إلى المخاطبين وهي للسفهاء فقيل أضافها إليهم لأدنى ملابسة فإنها بأيديهم وهم الناظرون فيها كقوله فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ [ النور : 61 ] وقوله فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ البقرة : 54 ] أي ليسلّم بعضكم على بعض وليقتل بعضكم بعضا ، وقيل أضافتها إليهم لأنها من جنس أموالهم ؛ فإن الأموال جعلت مشتركة بين الخلق في الأصل . وقيل المراد أموال المخاطبين حقيقة ؛ وبه قال أبو موسى الأشعري وابن عباس والحسن وقتادة ؛ والمراد النهي عن دفعها إلى من لا يحسن تدبيرها كالنساء والصبيان