صديق الحسيني القنوجي البخاري

14

فتح البيان في مقاصد القرآن

ومن هو ضعيف الإدراك لا يهتدي إلى وجوه النفع التي تحصل المال ولا يتجنب وجوه الضرر التي تهلكه وتذهب به . الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ أي صيّرها أو خلقها وأوجدها أَمْوالَكُمُ حال كونها قِياماً يعني قوام معايشكم ، قاله ابن عباس ، والقيام والقوام ما يقيمك ، يقال فلان قيام أهله وقوام بيته ، وهو الذي يقيم شأنه أي يصلحه ، وهو منصوب على المصدر أي فيقومون بها قياما . وقال الأخفش : المعنى قائمة بأموركم ، فذهب إلى أنها نفع ، وقال البصريون : قيما جمع قيمة كديمة وديم أي جعلها اللّه قيمة للأشياء ، وخطأ أبو علي الفارسي هذا القول وقال هي مصدر كقيام وقوام . والمعنى أنها صلاح للحال وثبات له . فأما على قول من قال إن المراد أموالهم على ما يقتضيه ظاهر الإضافة فالمعنى واضح ، وأما على قول من قال إنها أموال اليتامى فالمعنى أنها من جنس ما تقوم به معايشكم ويصلح به حالكم من الأموال ، قال الفراء الأكثر في كلام العرب النساء اللواتي والأموال التي وكذا غير الأموال ذكره النحاس . وَارْزُقُوهُمْ فِيها أي أطعموهم منها ، قال ابن عباس : أنفقوا عليهم أي اجعلوا لهم فيها رزقا أو افرضوا لهم ، وآثر التعبير بفي على من مع أن المعنى عليها إشارة إلى أنه ينبغي للولي أن يتجر لموليه في ماله ويربحه له حتى تكون نفقته عليه من الربح لا من أصل المال ، فالمعنى واجعلوها مكانا لرزقهم وكسوتهم بأن تتجروا فيها وتربحوها لها . وَاكْسُوهُمْ هذا فيمن تلزم نفقته وكسوته من الزوجات والأولاد ونحوهم ، وأما على قول من قال إن الأموال هي أموال اليتامى فالمعنى اتجروا فيها حتى تربحوا وتنفقوهم من الأرباح ، أو اجعلوا لهم من أموالهم رزقا ينفقونه على أنفسهم ويكتسون به . وقد استدل بهذه الآية على جواز الحجر على السفهاء وبه قال الجمهور ، وقال أبو حنيفة : لا يحجر على من بلغ عاقلا ، واستدل بها أيضا على وجوب نفقة القرابة ، والخلاف في ذلك معروف في مواطنه . وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً أي كلاما ليّنا تطيب به نفوسهم ، وقال مجاهد : أمروا أن يقولوا لهم قولا جميلا في البر والصلة قيل معناه ادعوا لهم بارك اللّه فيكم وحاطكم وصنع لكم ، وقيل معناه : عدوهم وعدا حسنا قاله ابن جريج أي باعطائهم أموالهم كأن يقول الولي لليتيم مالك عندي وأنا أمين عليه ، فإذا بلغت ورشدت أعطيتك مالك ، ويقول الأب لابنه مالي سيصير إليك ، وأنت إن شاء اللّه تعالى صاحبه ونحو ذلك ، وذلك لأجل تطييب خواطرهم ، ولأجل أن يجدّوا في أسباب الرشد .