صديق الحسيني القنوجي البخاري

125

فتح البيان في مقاصد القرآن

الكفر ليأمنوا من كلا الطائفتين ، وهم قوم من أهل تهامة طلبوا الأمان من رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ليأمنوا عنده وعند قومهم ، وقيل هم قوم من أهل مكة . وقيل نزلت في نعيم بن مسعود فإنه كان يأمن المسلمين والمشركين ، وقيل في قوم من المنافقين ، وقيل في أسد وغطفان . كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أي دعاهم قومهم إليها وطلبوا منهم قتال المسلمين أُرْكِسُوا فِيها أي قلبوا فرجعوا إلى قومهم وقاتلوا المسلمين ومعنى الارتكاس الانتكاس . فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ يعني هؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم ، لم يكفوا عن قتالكم حتى يسيروا إلى مكة وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ أي يستسلمون لكم ويدخلون في عهدكم وصلحكم وينسلخون عن قومهم وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ عن قتالكم فَخُذُوهُمْ يعني أسرى وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ أي حيث وجدتموهم وتمكنتم منهم . وَأُولئِكُمْ الموصوفون بتلك الصفات جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً أي حجة واضحة تتسلطون بها عليهم وتقهرونهم بها بسبب ما في قلوبهم من المرض وما في صدورهم من الدغل وارتكاسهم في الفتنة بأيسر عمل وأقل سعي . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 92 ] وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 92 ) وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً هذا النفي هو بمعنى النهي المقتضي للتحريم كقوله تعالى : وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ [ الأحزاب : 53 ] ولو كان هذا النفي على معناه لكان خبرا وهو يستلزم صدقه فلا يوجد مؤمن قتل مؤمنا قط ، وقيل المعنى ما كان له ذلك في عهد اللّه ، وقيل ما كان له ذلك فيما سلف كما ليس له الآن ذلك بوجه . ثم استثنى منه استثناء منقطعا فقال : إِلَّا خَطَأً أي ما كان له أن يقتله ألبتّة لكن إن قتله خطأ فعليه كذا ، هذا قول سيبويه والزجاج ، وقيل هو استثناء متصل ، والمعنى وما ثبت ولا وجد ولا ساغ لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ إذ هو مغلوب حينئذ ، وقيل المعنى ولا خطأ . قال النحاس : ولا يعرف ذلك في كلام العرب ولا يصح في المعنى لأن الخطأ